لم تكن تعلم مدينة مارسيليا في 23 يونيو/حزيران 1972 أن هذا التاريخ سيكون إيذاناً بميلاد أحد أهم أساطير الكرة الفرنسية في تاريخها إن لم تكن الأسطورة الأبرز. لمَ لا. وهو من جلب لهم الذهب في 1998. ومع بداية القرن الحالي حصد لهم اليورو في نهائي «ملحمي» في أمستردام. نهائي كان كفيلاً بالرد على الكثيرين ممن زعموا أن «فوز فرنسا» بكأس العالم كان بالصدفة. زين الدين زيدان، الماضي والحاضر والمستقبل لأبناء فرنسا، أرغم دولة بتاريخ استعماري دموي طويل تفرقها الأعراق والأجناس، على أن تصبح فريقاً اضطر أن يكون «وطنياً» وأن يقبل الآخرين.

شهدت العاصمة الفرنسية باريس في 12 من تموز/يوليو 1998 وتحديداً في استاد دو فرانس في ضاحية سان دوني، نهائي كأس العالم بين المنتخب الفرنسي مستضيف البطولة، ومنتخب السامبا صاحب السجل العالمي في عدد الألقاب العالمية. نجح المنتخب الفرنسي في تحقيق البطولة للمرة الأولى في تاريخ منتخب الديوك. هذا ما يعرفه الجميع. لكنه نحج أيضاً في خلق «مشهد» الوحدة واستعادة مفهوم «الجمهورية»، بعد سنوات عصيبة من التوتر العنصري والمشاكل بين المهاجرين والشرطة. في «لحظة» زيدان، نامت هذه العنصرية، ولم تمت تماماً. كانت نهاية سعيدة للفرنسيين. والسبب هدفا زين الدين زيدان ذو الأصول الجزائرية، والذي نشأ وترعرع في الضواحي الفرنسية الفقيرة. هدفان صنعوا من ابن المهاجر الجزائري إسماعيل زيدان رمزاً وطنياً يضاهي بشهرته أبرز السياسيين والشخصيات الاجتماعية المعروفة.
بطبيعة الحال، لم يحضر الفرنسيون تلك المباراة لرؤية إبداعات لاعب يوفنتوس، فهو لم يحظ بتلك الشهرة قبل صافرة الحكم النهائية. لكن عندما حقق المنتخب الأزرق بطولة كأس العالم، احتضنت فرنسا ابنها الجديد. لتنتهي تلك الاحتفالات المذهلة بترديد الفرنسيين لجملة «الرئيس زيدان» طوال تلك الليلة. غيّر زيدان (لبرهة) بهدفيه مفهوم الدولة والأمة الفرنسية بعد إيصال بلاده إلى اللقب، لكن كيف؟
في 1954، بدأ العمل في بناء استاد دو فرانس، الملعب الرئيسي لكأس العالم 1995 في «سان دوني» إحدى ضواحي باريس الفوضوية الفقيرة، والتي غالباً ما تصوّر في المقام الأول على أنها موقع للفقر والبطالة، في مناطق مليئة بالحرمان والتوتر العنصري خصوصاً مع رجال الشرطة الفرنسية، والذين غالباً يتسلحون بخلفيات يمينية معادية للمهاجرين. وفي خمسينيات القرن الماضي، وصل إسماعيل زيدان والد زين الدين إلى فرنسا بحثاً عن العمل. عمل في بناء منشآت في الضاحية على بعد أمتار من الموقع المستقبلي للملعب. ولأنه لم يكن لديه ما يكفي من المال للإيجار. بات هناك. لم يكن يعلم إسماعيل، أو حتى تخيل أن تلك التربة التي أنهكته طوال عمله في فرنسا، سيتم تكريم ابنه بعد 4 عقود كبطل قومي للبلاد التي قدمها مهاجراً.

ذكريات كليرفونتين
قبل أيام من انطلاق المباراة الافتتاحية للمنتخب الفرنسي في نهائيات كأس العالم عام 1998، وجه المدرب إيمي جاكيه خطاباً حاداً لعناصر المنتخب في غرفة تبديل الملابس في معسكر المنتخب التحضيري في «كليرفونتين». كان الشك وقلة الثقة ترافق اللاعبين، سواء في غرفة خلع الملابس أو حتى في الشارع الفرنسي. آمال ضئيلة في المضي بعيداً في البطولة. انتهى الأمر بالحصول على الكأس الذهبية. لم يتخيل اللاعبون أنفسهم يحملون ذلك الكأس حتى في أكبر أحلامهم. وفي المباريات التحضيرية للبطولة، قدّم المنتخب الفرنسي الذي كان يضم العديد من اللاعبين من أصحاب الأصول الافريقية وأبناء المهاجرين أداء باهتاً. لم يكن من المتوقع أن يقدموا الكثير خلال المونديال. خصوصاً بعد تعثرهم أمام كل من روسيا والسويد والمغرب في المباريات الودية.
الشارع والرأي العام الفرنسي، كان رافضاً لاختيارات المدير الفني جاكيه. على رأس هذه الأصوات المعارضة، كان جان ماري لوبين زعيم حزب الجبهة الوطنية اليميني صاحب الرأي الأكثر تطرفاً بخصوص المنتخب الأزرق. وصف الفريق بأنه مركّب وليس فريقاً فرنسياً خالصاً. الديوك حينها كانوا يقاتلون لأكثر من كأس العالم، وأكثر من مجرد لقب وميدالية ذهبية. كانوا «يستثمرون» في اضطهادهم الطويل لافريقيا.

هنا مارسيليا
على غير العادة لم تلعب المباراة الافتتاحية في باريس. وقع الخيار على مرسيليا التي ولد بها زين الدين. اختيار مرسيليا كخطوة أولى للحلم، كان بهدف إبعاد المنتخب عن الضغوط، من أجل اللعب أمام حشد متنوع يشمل الفرنسيين والمهاجرين معاً. أنهى الديوك المهمة الأولى بنجاح بتخطيهم عقبة «البافانا بافانا» بثلاثية نظيفة. ومع توالي الانتصارات تحلّى الفريق بالثقة. بدأ الناس يؤمنون، ليس فقط بالفريق ولكن ببلدهم، بأنفسهم. البلد متحد، وكأن الأمر كما لو لم يكن هناك فروق مطلقاً. الأغنياء والفقراء والطبقة الوسطى والعاملة بغض النظر عن خلفيتهم يحتفلون في الشوارع تحت راية المنتخب ذي الألوان الثلاثة. واحساس جديد بالهويّة. الفريق لم يكن رمزاً تعقد عليه الآمال قبل أيام معدودة، وخلال مدّة قصيرة كان بمثابة إشارة إلى ما يمكن أن يكون كحالة استثنائية. كان بمثابة نقطة تَحوُّل نحو فرنسا مختلفة، تحاول الخروج من صورة المُستعمِر. لكنها كانت تدخل في صورةٍ أخرى، للمستعمِر أيضاً، ستتضح فصولها في 2006، عندما «نطح» زيدان ماتيراتزي، و«أحبط» مشروع التسعينيات الفرنسي.
مع تحقيق لقب 1998، أصبح التنوع العرقي للفريق موضع ثناء وتميز بالنسبة للإعلام والمجتمع الفرنسي. زيدان تنحدر أصوله من قبائل جزائرية، باتريك فييرا من السنغال، مارسيل ديسايي من أكرا غانا، كاريمبو وتورام من جزر تحت سيطرة السيادة الفرنسية من منتصف القرن التاسع عشر. كان انتصاراً ساعد على توحيد الأمة ولو مؤقتاً. كان انتصاراً آخر للاستعمار!
لن ينسى الفرنسيون مطلقاً ليلة النهائي في سان دوني. هي بمثابة لحظة فارقة في العمر. واحدة من تلك المناسبات النادرة التي تسجل فيها حياتهم ضمن الصفحات الأولى للتاريخ. الجميع في فرنسا يذكرون أين قضوا ذلك اليوم، أين سهروا وغنوا. ربما الأشخاص الوحيدون الذين لم يشاركوا في هذه الاحتفالات، هم أنصار الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة وجان ماري لوبين. في وقت لاحق من تلك الليلة، تم عرض صورة زيدان على قوس النصر الشهير في «الشانزليزيه» أمام ما يفوق مليون مواطن فرنسي. بعد ذلك حوّل لوبين بتصريحاته الفريق إلى رمز لفرنسا متعددة الثقافات بعد مهاجمته التنوع العرقي للمنتخب، وأدى الفوز باللقب إلى تراجع شعبيته في العام التالي. شهدت الجبهة الوطنية تراجعاً في الانتخابات البرلمانية في العام التالي. كانت نتائج استطلاعها في العام السابق 15%، وفي انتخابات 1998 تقلصت إلى 5.7%. ورغم أن أبناء المستعمرات لعبوا لفرنسا، ولم يتسن لهم أن يلعبوا لبلادهم، إلا أن صفعة لوبين كانت إيجابية.
الشخص الوحيد الذي لم يحضر تلك الفرحة هو إسماعيل زيدان. في تلك الليلة كان بيت العائلة مقصداً للعديد من الأصدقاء والأقارب الذين أتوا لمتابعة المباراة. إسماعيل فضّل عدم التوجه إلى الملعب، ولا حتى مشاركة الجميع بمتابعة المباراة على التلفزيون. كان مضطراً لرعاية حفيده «لوكا» الذي كان يبلغ شهرين فقط. خرج به إلى الحديقة هرباً من الضجة والصراخ. لم يكن إسماعيل بحاجة إلى ابنه ليخبره عن مجريات اللقاء، فالحي بأكمله والبلاد بأسرها كانت تصرخ باسم «زيزو» وتشكره على هذا الرأس الذهبي الذي جعل من فرنسا بلداً أفضل، ولو لأعوام قليلة فقط.