وقف نجم المنتخب على نقطة الجزاء ليسدد الكرة الحرجة. ملايين المصريين توقفت قلوبهم للحظات، في مشهد متكرر، خوفاً من ضياع حلم لم يتحقق لمدة 28 سنة، ومجموعة أحلام صغيرة على جانبي الواقع. وكان الدعاء هو الحل. نتحدث عن محمد صلاح وإرث الأحلام الطويلة. مرّ تاريخ كرة القدم في مصر بمراحل تتطابق مع شكل الحياة بكل عواملها، فهي الانعكاس الأمين لحالة المصريين. بدأت اللعبة كوسيلة لإزالة الفروق بين الطبقات الغنية والفقيرة، ثم تحولت إلى وسيلة مقاومة شعبية للاحتلال البريطاني وهزيمته، ولو معنوياً. انتشرت في المدارس والشوارع، وتأسست الأندية في بدايات القرن العشرين، التي اشتركت في مسابقة تحت إشراف البريطانيين. حتى قرر المصريون «تأميم» اللعبة بمسابقة مصرية خالصة نتج منها الاشتراك في كأس العالم 1934، فيما غابت بريطانيا نفسها آنذاك. ظلت لعبة شعبية بحتة يحميها الملك فاروق ويشجعها، وشهدت تغيرات، كبرت ككرة الثلج، وتدحرجت.

بعد ثورة 1952، سيطر الضباط الأحرار على الرياضة ضمن تأسيس دولة اشتراكية. تدخلت السياسة في اللعبة، فأضيفت شعبيتهم، كمجموعة طردت المستعمر، لشعبيتها، وانتشرت في كل المحافظات وشواطئ السواحل التي أفرزت قاعدة ضخمة من اللاعبين، لتحصل مصر على بطولتين دوليتين. توقف النشاط الرياضي لمدة 7 سنوات بسبب هزيمة حزيران، لكن ممارسة اللعبة في الشوارع وعلى الشواطئ لم تتوقف يوماً، وعادت بعد انتصار أكتوبر أكثر قوة. وصلت إلى ذروتها فنياً في فترة ثمانينيات القرن الماضي، التي اختتمت بالمشاركة الثانية في كأس العالم 1990. ثم تغيّر شكل اللعبة تماماً، بعد تطبيق نظام الاحتراف ودخول الرعاة ورجال الأعمال في التسعينيات، وفتح سوق انتقالات اللاعبين على مصراعيه، لتنحصر المنافسة بين ناديين فقط وتتراجع باقي الأندية. ومع دخول الألفية الجديدة، أصبحت مشاهدة المباريات غير المحلية عبئاً مادياً على الجمهور، بسبب احتكار القنوات المشفَّرة لنقل البطولات. لكن جيل المنتخب الذهبي في 2010 كان يستحق هذا العبء المادي. فاز بثلاث بطولات دولية، كذلك إن احتراف لاعبين مصريين في الدوريات الأوروبية فتح مجالاً للشعور بنوع جديد من الانتصار، أكبر من تكلفة المشاهدة في المقاهي. والآن، وصل المنتخب الحالي إلى كأس العالم للمرة الثالثة 2018، على الرغم من أنه الأقل فنياً، ولعب مباريات الدوري والكأس المصريين بلا جمهور منذ عام 2012. في الواقع، الرحلة طويلة. تعلّم المصريون كرة القدم من الاحتلال البريطاني في مدينة الإسكندرية عام 1882. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت اللعبة من أساسيات الحياة كالطعام والشراب. وحتى أوائل التسعينيات، كانت الشوارع تخلو تماماً أثناء مباريات الأهلي والزمالك، وحين يلعبان في أفريقيا، وطبعاً عندما يلعب المنتخب الوطني.

اللحظات الحرجة
يحفل هذا التاريخ الطويل بمجموعة من اللحظات الحرجة، تتوقف فيها كل أوجه الحياة. ولا مجال فيها للتوقعات، فالمضمون لا يتحقق، والمستحيل يحدث بمنتهى السهولة، وكلاهما لا يخضع لقواعد أرضية. فدائماً يأتي المصريون من المنطقة المظلمة، الخارجة عن كل الحسابات، ليقلبوا كل التوقعات والرهانات، بينما تخفت حماستهم عندما يسلط عليهم الضوء، أو يكونون على قمة التوقعات الإيجابية. نعود بالزمن إلى البدايات. في 1895، قرر محمد أفندي ناشد تكوين فريق شعبي من أحياء مختلفة. دربه مدة طويلة، وتحدى فريق «الأورنص الإنجليزي» على ملعب ترابي، وكان حكم المباراة إنكليزياً. كان الفوز مضموناً للإنكليز، فهم الأقوى والأعلى مكانة والأغنى. لكن فاز فريق محمد أفندي بهدفين دون مقابل. من هنا اكتشف المصريون وسيلة شعبية للمقاومة وتحقيق الانتصارات عندما تغلبهم الحياة، أو يقسو عليهم الواقع. لاحقاً عاشت مصر أكبر لحظة حرجة في تاريخها الكروي. فبعد هزيمة 1967، توقف النشاط الرياضي. وكان نادي الإسماعيلي، ممثل مدينة الإسماعيلية إحدى مدن القناة، بطل الدوري العام. سبّبت الهزيمة احتلال سيناء وتهجير معظم مدن القناة. وفي عام 1969، قرر الرئيس جمال عبد الناصر مشاركة مصر في دوري أبطال أفريقيا، لرفع الروح المعنوية في ظل حرب استنزاف وأزمة اقتصادية. وكان من المستحيل أن يلعب الإسماعيلي مبارياته في البطولة على ملعبه في الإسماعيلية.

شهدت كرة القدم أسوأ كارثة عندما توفي 72 مشجعاً في مباراة الأهلي في بورسعيد

فأقام اللاعبون في القاهرة، ولعبوا جميع مباريات البطولة فيها. هكذا حقق الإسماعيلي المعجزة وفاز في المباراة النهائية على فريق «إنغلبير» بطل زائير (الكونغو الديموقراطية حالياً)، وأقوى فريق في أفريقيا وقتها، ويصبح أول فريق مصري يفوز بالبطولة. ثم كان عقد الثمانينيات مسرحاً لمقاومة المدّ الديني الذي فتح بابه الرئيس الأسبق أنور السادات، بإطلاق سراح الجماعات الإسلامية، وانتشر بسبب الهجرة إلى دول الخليج ونقل تعاليمها الوهابية إلى مصر. وكان الصراع الاجتماعي في أقصي مراحله ــ بعد تراجع تحضر مرحلة الستينيات ــ بين بقايا تحرر مرحلة السبعينيات، وانغلاق التعاليم الدينية التكفيرية التي وجدت أرضاً خصبة لها بين أبناء الطبقة الفقيرة، والتحول التام إلى الحياة الاستهلاكية. وتأتي لحظة حرجة جديدة في عام 1986 في المباراة النهائية لبطولة كأس الأمم الأفريقية في القاهرة، وسط انتشار فكرة أن كرة القدم حرام شرعاً. لكن تجذرها في المجتمع المصري نسف هذه الفكرة دائماً. كان المنتخب المصري قد خسر في مباراة الافتتاح أمام منتخب السنغال، وأصبح الأمل في فوزه بالبطولة ضعيفاً، كذلك حصل نجم مصر وقتها طاهر أبوزيد على إنذارين في دور المجموعات ليُحرَم اللعب في مباراة دور نصف النهائي أمام منتخب المغرب القوي. لكن الاتحاد الدولي ألغى الإنذار الثاني، وفاز الفريق المصري على المغربي بهدف لأبوزيد نفسه، ليقابل في النهائي فريق الكاميرون الأفضل في أفريقيا وقتها. انتهت المباراة بالتعادل السلبي، ثم فازت مصر 5 ــ 4 بركلات الترجيح، في بطولة درامية كان الدعاء يصاحبها في كل مباراة. وتكررت اللحظات. فتحت معركة المنتخب المصري مع المنتخب الجزائري في مباراة الإياب، في تصفيات دورة الألعاب الأوليمبية عام 1984 بالقاهرة، باب «خصومة» بين الفريقين في كل مواجهة. وفي المباراة الفاصلة في تصفيات كأس العالم 1990، كانت مصر تحتاج إلى الفوز بأي نتيجة على الجزائر لتتأهل إلى النهائيات. وعاش المصريون 90 دقيقة حرجة، خاصةً أن المنتخب الجزائري كان من أفضل الفرق الأفريقية. الفوز عليه كان في نظر المصريين مستحيلاً. أحدث المنتخب المصري المفاجأة بإحراز هدف بعد أربع دقائق فقط من بداية المباراة، لتتحول المباراة إلى موقعة حربية كان المطلوب فيها الحفاظ على الهدف حتى صافرة النهاية. هكذا صعدت مصر إلى كأس العالم في إيطاليا حيث قدمت أداءً مشرِّفاً.

تسعينيات التكفير
مع بداية التسعينيات، استقرّ شكل المجتمع المصري في كف الالتزام الديني. انتشر الحجاب، وبدأ وصف الفتاة غير المحجبة بالمتبرجة والسافرة. كذلك وصلت رحلة البحث عن لقمة العيش اليومية إلى ذروتها، وظهرت السجدة في ملاعب الكرة بعد إحراز الأهداف، مع اعتماد التفسير الديني والقدري لكل ما يحدث. وفي عام 1998، اشترك المنتخب في بطولة كأس الأمم الأفريقية بجنوب أفريقيا، وسط يقين بخروجه من دور المجموعات، ليفاجئ الجميع بالفوز بالبطولة. مع بداية الألفية الجديدة، طرأ على كرة القدم في مصر أهم تغير يؤثر في المشجعين، ولا سيما البسطاء: احتكار إذاعة البطولات غير المحلية للأندية والمنتخب من قنوات مشفرة. أضاف هذا عبئاً مادياً جديداً على أعباء الحياة الكثيرة عند جمهور الكرة. أصبح الحساب عسيراً للفريق الذي يتخاذل أو يخسر، لأن المشاهدة أصبحت مكلفة. في 2006 استضافت مصر كأس الأمم الأفريقية، وسط تشكيك وانتقادات وتشاؤم لم يحدث من قبل، وخاصة من الإعلام. وللمرة الأولى يختفي الجمهور المعتاد البسيط مادياً، ويحضر مباريات هذه البطولة جمهور من الطبقة فوق المتوسطة والغنية. فاز المنتخب بالبطولة. ولم تتوقف حملات التشكيك في قدرته على تحقيق إنجاز آخر، ليعود في بطولة 2008، ويفوز بها مع تقديم أداء ممتع. لكن الفقراء كانوا يُبعدون مجدداً ومجدداً. في المباراة الفاصلة في تصفيات كأس العالم 2010 أمام الجزائر في القاهرة، كان المنتخب يحتاج إلى 3 أهداف للتأهل. وكان فوزه بالمباراة يصل إلى مرحلة اليقين، وبعدد كبير من الأهداف، بعد ترشيح الصحافة العالمية له، ليس فقط بالتأهل، بل ليكون الحصان الأسود في المونديال. وكالعادة، وضع الفريق الجمهور المصري في لحظة حرجة جديدة. سجّل هدفين فقط. تأجل التأهل لمباراة فاصلة لعِبت في السودان، وخسرتها مصر بهدف دون مقابل. فشلت مصر في التأهل في ليلة كان الغضب فيها مضاعفاً. هذا الجيل الذهبي اختتم مسيرته بالفوز بكأس أمم أفريقيا 2010 للمرة الثالثة توالياً، ويصل بترتيب مصر إلى المركز التاسع على العالم.
بعد ثورة غيرت وجه مصر تماماً في 2011، شهدت كرة القدم أسوأ كارثة في تاريخها عندما توفي 72 مشجعاً في مباراة الأهلي والمصري في بورسعيد في الدوري العام في شباط/ فبراير 2010. قرر النظام إقامة المباريات بلا جمهور. وهكذا هبط مستوى اللعبة، ونتج منه منتخب هو الأضعف في التاريخ. خاض المنتخب تصفيات كأس العالم 2014 من دون اهتمام يذكر من الجمهور، حتى وصل إلى مباراتين فاصلتين أمام غانا. وكان فوزه بكل مباريات التصفيات محفزاً لغدّة الأمل عند الجمهور، والتأكد من تأهله إلى كأس العالم. تلقى المنتخب هزيمة ثقيلة في مباراة الذهاب بنتيجة لا يستطيع تعويضها في القاهرة. ثم تكرر سيناريو 1998 في بطولة كأس الأمم الأفريقية 2017، باستثناء الفوز في المباراة النهائية، التي تحولت إلى لحظة حرجة جديدة بخسارة المنتخب أمام الكاميرون. لذلك، لم يفكر محمد صلاح كثيراً، عندما سدد ضربة الجزاء أمام فريق الكونغو. لا مجال للمهارات، ولا جدوى من لحظة حرجة جديدة تعقبها خسارة. ولا ضمان للتأهل مرة أخرى في القريب العاجل. سددها بمنتهى القوة، سددها ضدّ سنوات طويلة، وباسم ملايين المقهورين.