ثلاثة أشخاص على الأقلّ قتلوا، وأصيب اثنان في إطلاق نار في كينوشا في ولاية ويسكونسن، الأحد الماضي، في استمرار لسلسلة طويلة من الحوادث المماثلة في الولايات المتحدة. استمرارية ليست مستغربة، فهذه البلاد معروفة بعنف السلاح، وقد وصل الأمر بالرئيس جو بايدن، أخيراً، إلى وصفه بـ«وباء إطلاق النار» الذي يتسبّب بـ«الإحراج الدولي»، تعليقاً على العدد الكبير من عمليات إطلاق النار الجماعية، التي كان أشهرها، خلال الشهرين الماضيين، تلك التي وقعت في إنديانابوليس، مودية بحياة حوالى ثمانية أشخاص، وما سبقها من استهداف أشخاص من أصول آسيوية، وغيرها من العمليات التي دفعت إدارة بايدن إلى وضع خططٍ للتصدّي للعنصرية المتزايدة ضدّ الأميركيين الآسيويين، وإلى إصدار قرار أخير يستهدف «البنادق الأشباح» التي يجري تجميعها من أجزاء عدّة.

وفق الباحثين، لم تتوقّف عمليات إطلاق النار أبداً خلال جائحة فيروس «كورونا»، بل ربّما لم يسلّط عليها الضوء كما في السابق. وبحسب صحيفة «ذا نيويورك تايمز»، سجّل «أرشيف عنف السلاح» أكثر من 600 عملية إطلاق نار في عام 2020، مقارنة بـ417 في عام 2019. واستمرّت تلك المذابح في عام 2021، إذ جرت 147 عملية إطلاق نار جماعي وصولاً إلى منتصف الشهر الحالي. وبأرقام أكثر تفصيلاً، شهدت الولايات المتحدة ما لا يقلّ عن 50 إطلاق نار جماعياً منذ 16 آذار/ مارس، عندما قُتل ثمانية أشخاص وأصيب واحد في ثلاثة منتجعات صحّية في منطقة أتلانتا، وذلك طبقاً لتقرير صادر عن شبكة «سي إن إن»، وتحليل للبيانات من «أرشيف عنف السلاح»، ووسائل الإعلام المحلّية، وتقارير الشرطة.

تسعى مختلف الإدارات الأميركية إلى وضع حدّ لعمليات القتل الجماعي إلّا أن محاولاتها تبقى ناقصة


مع ذلك، قد تكون هذه الأرقام ناقصة إذا ما أُخذ في عين الاعتبار الإجماع الضئيل على تعريف «إطلاق النار الجماعي»، الأمر الذي يعقّد جهود المنظّمات غير الربحية والمؤسّسات الإخبارية لتوثيق نطاق الظاهرة. فموضوع «العنف» يتبع التعريف الضيّق لخدمة أبحاث الكونغرس، حيث يتطلّب أن «تكون الهجمات علنية، واستبعاد عمليات إطلاق النار المنزلي، وتلك التي تُعزى إلى نشاط إجرامي أساسي». وقد حدّدت شبكة «سي إن إن» أن إطلاق النار الجماعي تنتج منه أربع أو أكثر من الإصابات أو الوفيات، في حين تقتضي معايير صحيفة «ذي واشنطن بوست» لتتبّع عمليات إطلاق النار الجماعية، إطلاق النار مع مقتل أربعة أشخاص أو أكثر، ولكنّها لا تشمل عمليات السطو أو إطلاق النار المحلّي في المنازل الخاصة. أيّاً كان التعريف، فالعنف مشكلة أميركية مستمرّة. قد تتغيّر الأماكن والأرقام، ولكن اللجوء إلى السلاح يظلّ كما هو. وفي المحصّلة، يمكن القول إن عمليات إطلاق النار الجماعية في الأماكن العامة قد تُمثّل جزءاً صغيراً من الوفيّات الناجمة عن الأسلحة النارية في البلاد، لكنها تبقى مرعبة لأنّها تحدث من دون سابق إنذار في أكثر الأماكن اكتظاظاً في أحيان كثيرة، حيث يتمّ اختيار معظم الضحايا ليس لِما فعلوه، ولكن لمجرّد مكان وجودهم.
وبينما تسعى مختلف الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى وضع حدّ لهذه العمليات، عبر تعزيز إجراءات اقتناء السلاح، إلّا أن كلّ المحاولات تبقى ناقصة، نظراً إلى الخلافات الحزبية والحصانة التي يمنحها الدستور لحق اقتناء الأسلحة النارية. وتمثّل آخر تلك المحاولات في إصدار جو بايدن أمراً يستهدف نوعاً معيّناً من الأسلحة، بعد يوم واحد من إطلاق نار جماعي في ساوث كارولينا أسفر عن مقتل طبيب وعائلته. وقد تضمّن هذا الأمر شنّ حملة على ما يُسمّى بـ«البنادق الأشباح». بايدن أذعن للواقع، مقرّاً بأنّ الإجراءات الأكثر جذرية، مثل حظر الأسلحة الهجومية، وإغلاق ثغرات التحقّق من الخلفية، وتجريد مصنّعي الأسلحة من حصانتهم من دعاوى المسؤولية القانونية، يجب أن تنتظر اتخاذ إجراء من الكونغرس. غير أن ذلك لم يمنعه من التأكيد أن من الضروري أن يفعل ما في وسعه بمفرده لمواجهة ما وصفه بـ«وباء إطلاق النار» الذي يقتل ما يقرب من 100 أميركي في اليوم. ومن هذا المنطلق، جاءت فكرته لتوجيه وزارة العدل للحدّ من انتشار «البنادق الأشباح»، التي يمكن شراؤها من دون فحص الخلفية، أو تجميع قطعها من دون أرقام تسلسلية. لكن تبقى تحرّكاته وغيره من الرؤساء غير كافية، ولا ترقى إلى مستوى التغييرات التشريعية الواسعة المطلوبة، لجعل شراء الأسلحة النارية أكثر صعوبة، وخصوصاً الأسلحة شبه الآلية التي غالباً ما تُستخدم في عمليات إطلاق النار الجماعية.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا