مع حلول فجر التاسع مِن تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية قد اتّضحت. وبخلاف كلّ التوقّعات، صعد دونالد ترامب إلى المسرح ليُعلن فوزه على الملأ. شكّلت تلك اللحظة بداية مرحلةٍ ستنطوي على الكثير مِن عدم الاتّزان والارتجال، وكذلك الصراحة غير المُحبَّبة في إدارة شؤون الدولة وعلاقاتها الخارجية، وستنتهي إلى مرحلة تشبه هذه الماثلة اليوم: بلدٌ آيل إلى سقوط يبدو محقّقاً. تُصارع الولايات المتحدة سياقاً ربّما هو الأدقّ في تاريخها الحديث، لتجنُّب السير على خطى مَن وجَّهتهم وأغرقتهم بديموقراطيتها. لكن مرارة الانقسام التي وصلت إلى البيت الأميركي لم تكن يوماً بهذا الحجم والامتداد والجهوزية للاتّساع. وهذا لن يتغيّر بتعاقب الرؤساء على البيت الأبيض. إن خسر ترامب اليوم، وهو الاحتمال الراجح وفق كلّ المعطيات المتوفّرة، فسيحصد بايدن بذور الشقاق، وسيصلّي كثيراً لأن لا ينتهي به الأمر على غرار مَن سبقه.

مع حلول ساعات الفجر الأولى، قبل إقفال صناديق الاقتراع في آخر يومٍ للتصويت في الانتخابات الرئاسية الأميركية، تعزّزت الإشارات إلى اهتزاز ثقة ترامب بـ»حتميّة فوزه». إذ سارع إلى المطالبة بـ»حقّ الأميركيين» في معرفة اسم الفائز يوم الانتخابات، على رغم أن ذلك يبدو شبه مستحيل في ظلّ لجوء مزيد من الأميركيين إلى التصويت عن طريق البريد. بدا ترامب كمَن يهدِّد بإعلان النصر قبل أوانه، وإحداث حالة ارتباك في شارع منقسم، قبل أن يحاول تهدئة المخاوف مِن لجوئه إلى خطوة من هذا النوع. حذّر الرئيس الأميركي مراراً من أنه «فور انتهاء الانتخابات، سيكون محامونا جاهزين». فالتراكم القياسي للأصوات عبر البريد، والتي قد يستمرّ ورودها في بعض الولايات لعدّة أيام بعد الثلاثاء، ربّما يعقّد عمليات فرز الأصوات أو يؤخّر حتى إعلان الفائز في حال كانت النتائج متقاربة جدّاً. وفي مؤشّر ملموس إلى القلق الناجم عن الاقتراع، حصّنت متاجر عدّة في مدن كبيرة، منها واشنطن ولوس أنجليس ونيويورك، واجهاتها تحسّباً لأعمال عنف قد تلي الانتخابات، بعدما عكست الولايات المتحدة، طوال الحملة الانتخابية، صورة بلد منقسم إلى معسكرين متخاصمَين انقطعت سبل التواصل بينهما. فعلى مدى أشهر، لوّح ترامب بخطر وصول «يسار راديكالي» إلى السلطة عازم على تحويل أكبر اقتصاد في العالم إلى «فنزويلا»، بينما كرّر في حديث إلى محطة «فوكس نيوز»، أمس، أنه «في حال فوزهم سيتغيّر بلدنا إلى غير رجعة».
في الأيام الأخيرة، احتلّ المرشّح الجمهوري المنصّات وكثّف تنقلاته الانتخابية، مراهناً على حماسة أنصاره الذين يشهدون تعبئة قصوى جرّاء حملة انتخابية اتّسمت بحدّة غير مسبوقة، في عامٍ انتخابي موبوء. لكنه أعلن أنه لم يفكر في خطاب الفوز أو الخسارة بعد، على رغم أن شعوراً جيداً جداً يساوره حيال هذه الانتخابات. وفي كلمة له أثناء زيارة مركز للحزب الجمهوري في ولاية فرجينيا، أضاف: «أعتقد أن الفوز شيء سهل، أمّا الخسارة فليست كذلك»، لافتاً إلى أن وضعه جيّد في ولايات أريزونا وتكساس، و»أعتقد أن بنسلفانيا بالغة الأهمية، وكذلك فلوريدا، وسنحقّق فوزاً ساحقاً في تكساس».

سارع ترامب إلى المطالبة بـ»حقّ الأميركيين» في معرفة اسم الفائز يوم الانتخابات


بدأت مراكز الاقتراع في استقبال الناخبين في بعض الولايات الشرقية الساعة السادسة صباحاً، على أن تبدأ النتائج في الظهور بعد السابعة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة عندما تغلق مراكز الاقتراع في بعض الولايات، مثل جورجيا. وفي ظلّ كثافة التصويت المبكر، والذي تجاوز 100 مليون صوت من مجموع 230 مليون ناخب، مقارنة بـ 8.2 ملايين في انتخابات عام 2016، يستبعد معرفة النتائج مباشرة بعد إغلاق الصناديق كما في الانتخابات السابقة. في موازاة ذلك، بدت مسارات فوز بايدن واضحة وسهلة، إذ يحتاج هذا الأخير إلى الفوز بولايتَي ميشيغان وويسكونسن حيث يتقدّم بالفعل، بالإضافة إلى فوزه بإحدى هذه الولايات: بنسلفانيا أو فلوريدا أو كارولاينا الشمالية أو أريزونا، ليصبح الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة. حملة المرشّح الديموقراطي بدت مطمئنة إزاء فوزه، حتى وإن لم يتمّ إعلان النتائج بشكل فوري في بعض الولايات الحاسمة. ونقلت صحيفة «واشطن بوست» عن مديرة حملته، جين أومالي، قولها: «من الواضح أننا سنفوز»، لافتة إلى أن كلّ البيانات التي بين أيديهم «تؤكد حقّاً أن هناك مسارات متعدّدة تقودنا إلى الفوز»، وأن أبسط تلك المسارات «الاحتفاظ بالولايات الآمنة (التي تصوّت عادةً للديموقراطيين)، مع إضافة عدة ولايات أخرى «نعتبرها آمنة أيضاً»، وهو ما سيوفّر لبايدن ما مجموعه 232 صوتاً من أصوات الهيئة الناخبة ستكون حاسمة لفوزه. وفي رسالة نشرها عبر موقعه الإلكتروني، وصف بايدن الانتخابات الجارية بأنها «الأكثر مفصليّة» في تاريخ الولايات المتحدة، مستعيراً شعار «حياة السود مهمّة» لمخاطبة الناخبين بالقول: «أصواتكم مهمّة». وقال إن «شخصية الولايات المتحدة على ورقة الاقتراع: الأمانة، والعلم، والديموقراطية... كلّها على ورقة الاقتراع».
في هذا الوقت، تتّجه كلّ الأنظار إلى ولاية فلوريدا التي تُعدُّ حاسمة لجهة تحديد هوية الرئيس. ومن دون الفوز بهذه الولاية التي سبق أن كسبها عام 2016، ستكون المهمّة شبه مستحيلة أمام ترامب للبقاء في البيت الأبيض. في المقابل، في حال كسب فلوريدا حيث المنافسة محتدمة جداً مع بايدن، بحسب ما تظهر استطلاعات الرأي، سينصبّ الاهتمام على بنسلفانيا، مسقط رأس المرشح الديموقراطي، حيث يتقدَّم نائب الرئيس السابق بفارق قريب من هامش الخطأ.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا