ليست الخلافات بين الفاتيكان وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خافية على أحد. فالعلاقات بين الجانبين تشهد توتّراً متصاعداً منذ توقيع الكرسي الرسولي في أيلول/ سبتمبر عام 2018 اتفاقاً "موقّتاً"، سيُصار إلى تجديده لسنتين أخريَين، مع بكين، في شأن تعيين أساقفة. الاتفاق الذي هدَف إلى توحيد صفوف الكنيسة الصينيّة المنقسمة بين رسمية وسرية، بعد عقود من المداولات، لم يأتِ على خاطر ساكن البيت الأبيض الذي يبدو أنه اختار بعناية توقيت إيفاد وزير خارجيته، مايك بومبيو، إلى روما والفاتيكان، ليتلو عظة على الكنيسة الكاثوليكية، علّها تحقّق رغبة ترامب في تعطيل الاتفاق المذكور. وثمّة مَن يربط هذه المساعي التي تجيء عشية الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، بمحاولة الرئيس الأميركي كسبَ مزيد من أصوات الكاثوليك، المنقسمين بين المعسكرَين الجمهوري والديموقراطي، لترجيح كفة السباق لمصلحته.

من السفارة الأميركية في الفاتيكان، حيث عُقدت ندوة بحضور الأسقف البريطاني بول غالاغير، المكلّف بالعلاقات مع الدول الأخرى، وجّه وزير الخارجية الأميركي دعوة إلى القادة الروحيين للتحلّي بـ"الشجاعة والجرأة" لمواجهة الاضطهاد الديني لجماعاتهم، بعدما شنّ هجوماً عنيفاً على بكين متهماً إيّاها بقمع الأقليات الكاثوليكية وأقلية الإيغور المسلمة. ومضى يقول: "ما من بلدٍ آخر مثل الصين تهاجَم فيه حرية المعتقَد"، مستشهداً مرّات عديدة بالتزام البابا يوحنا بولس الثاني في الثمانينيات ضدّ الكتلة السوفياتية باسم ما كان يصفه البابا البولندي بأنه "خطر على الحرية". لم تكن تلك عظة بومبيو الأولى في هذا السياق، إذ سبق له أن حمل مباشرة على دبلوماسية الفاتيكان، وحضّه، أخيراً، على انتقاد الانتهاكات الدينية في الصين، مطالباً إياه بـ"شهادة أخلاقية". وفي مقابلة مع مجلة "فيرست ثينغز" الأميركية المحافظة، قال وزير الخارجية الأميركي إن "الاتّفاق بين الصين والفاتيكان لم يحمِ الكاثوليك من ممارسات الحزب (الشيوعي)". تصريحاتٌ أكّد الأسقف غالاغير، على هامش الندوة، أن الفاتيكان "تلقّاها ببرودة"، مذكّراً بأن بومبيو لن يلتقي البابا فرنسيس، لأن "مثل هذا اللقاء ربّما كان سيفسّر كمحاولة لاستخدام شخص البابا في سياق الحملة الانتخابية الرئاسية المحتدمة في الولايات المتحدة، وهذا هو أحد الأسباب". كذلك، شدّد على أنه "وفقاً للتقاليد المتعارف عليها، فإن برنامج الفعاليات المتعلّقة بزيارة على هذا المستوى الرفيع، يتمّ بالتنسيق مع الجانب المضيف، وهو ما لم يتمّ فعله على ما يبدو".

رفض البابا فرنسيس لقاء بومبيو عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية


عشية وصول بومبيو إلى روما، ردّ مستشار البابا، الكاردينال أوسكار مارادياغا، على الوزير الأميركي، معتبراً أن تدخّل إدارة ترامب في علاقات الفاتيكان مع الصين يُعدُّ "ضرباً من الجنون. يبدو لي أن القيادة الأميركية الراهنة تتحرّك فقط على خلفية الانتخابات الأميركية. يسعون إلى إعادة انتخاب دونالد ترامب ويتصرّفون وفقاً لهذا المنطق فقط". في هذا الإطار، يرى المؤرخ وعالم اللاهوت الإيطالي والأستاذ في جامعة فيانوفا في الولايات المتحدة، ماسيمو فايولي، أن الملف الصيني ليس مهمّاً جداً، بل "ثمة مطاردة راهناً لأصوات الكاثوليك في الولايات المتحدة"، من خلال هجوم غير مسبوق لوزارة الخارجية نُشر بالتحديد في مجلة مسيحية معارضة جداً للبابا. ويفيد معهد "بيو ريسيرتش سنتر" بأن الكنيسة الكاثوليكية الأميركية منقسمة بين مؤيدين للجمهوريين (غالبيتهم من البيض)، ومؤيدين للديموقراطيين (من أصول أميركية لاتينية)، والذين تعتبر أصواتهم حاسمة في ترجيح كفة مرشح على آخر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا