لا تخفي إسرائيل خشيتها من مرحلة ما بعد اغتيال الشهيد قاسم سليماني، وإن كان غيابه يمثل فائدة استراتيجية بالنسبة إليها يستعصي تقدير حدودها. هذه الخشية لا تتعلق فقط بإمكان أن يطال الكيانَ أذىً في سياق ردّ إيران وحلفائها على الأميركيين، بل أيضاً بالهدف الذي حدّده محور المقاومة: إخراج الأميركيين من العراق والمنطقة، وهو ما يشكل من وجهة نظرها أسوأ السيناريوات، وأكثرها إضراراً بالمصلحة الأمنية الإسرائيلية. عن هذا القلق، صدر في الأيام الماضية في تل أبيب الكثير من التقديرات والتحليلات التي تناولت مرحلة ما بعد الاغتيال وتبعاته، وتحديداً احتمال أن لا تتّجه المواجهة بين أميركا وإيران إلى صدام عسكري مباشر واسع الناطق، وحده ما سيحقق، من وجهة نظر المسؤولين الإسرائيليين، المصلحة الأمنية الكاملة لدولة الاحتلال في مواجهة إيران وامتداداتها في الإقليم.

في الاتجاه نفسه، تتابعت، أمس، التسريبات في الإعلام العبري، منقولةً عن محافل سياسية وأمنية. تسريباتٌ بدا لافتاً أنها شبه متطابقة، على رغم اختلاف مصادرها ووسائل نشرها، الأمر الذي يشير إلى أن القلق حاضر في جميع مراكز القرار في إسرائيل، وبمستوى يستدعي من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تفعيل كلّ روافع الضغط الموجودة لديه، لمنع المسارات المُقدَّرة للانسحاب الأميركي من العراق، تفادياً للأسوأ. صحيفة «هآرتس» نقلت عن مصادر أمنية تجديدها تأكيد الفائدة الاستراتيجية المتحققة للدولة العبرية نتيجة اغتيال عدوّ صلب هو قاسم سليماني، بما من شأنه إخافة شخصيات أخرى معادية لإسرائيل في المنطقة، ومن بينها الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله. وعلى هذه الخلفية، لدى إسرائيل كلّ الأسباب كي ترحّب بالخطوة الأميركية، «لكن إذا أدّت عملية الاغتيال إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق، مثلما يتضح فعلاً، فسيكون هذا بشرى سيئة جداً وإشكالية جداً لإسرائيل». كذلك، «من الصعب القول، بعد الاغتيال، إن إسرائيل يمكن أن تكون واثقة من استعداد الولايات المتحدة للعمل من أجل منع طهران من تحقيق طموحاتها، وتحديداً في الملف النووي، حتى ولو تعهّد (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب بذلك بشكل دائم في تغريداته»، بحسب الصحيفة نفسها.

دان شابيرو: ترامب يعمل باندفاع لتحقيق الأفضل، على رغم أنه في كثير من الأحيان يحقق الأسوأ


من جهته، نقل موقع «المونيتور» بنسخته العبرية عن مصادر عسكرية إسرائيلية إعرابها عن القلق من سيناريوات تكاد تكون أكثر من إشكالية بالنسبة إلى تل أبيب؛ إذ إن «ترامب لم يقرّر إذا ما كان سيبقى (في العراق) أو سينسحب، على رغم أنه يميل إلى الانسحاب. ذلك أنه غير معنيّ بصفٍّ من توابيت (لجنود أميركيين) منقولة جوّاً إلى واشنطن في عام الانتخابات الرئاسية». ووفقاً للمصادر المذكورة، فإن «على إسرائيل أن تستعدّ لمواجهة هذا السيناريو، الأسوأ من ناحيتها، لأن احتمالات أن يتحقق باتت مرتفعة، وهو أن يغادر ترامب الشرق الأوسط ويبقي إسرائيل وحدها في مواجهة التهديدات الإيرانية في توقيت أكثر من إشكالي بالنسبة إليها». وأضاف الموقع أنه «يتعيّن على رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، استخدام كلّ الوسائل التي يملكها، ومن بينها إدخال قادة الإنجيليين في الولايات المتحدة على خطّ المعركة، لمنع ترامب من الانسحاب من المنطقة، إلا أن السؤال يتعلق بما يمكن أن يحدث في حال فشلت الجهود، وأصرّ ترامب على المغادرة».
بالعودة إلى صحيفة «هآرتس»، فقد كتب فيها أيضاً السفير الأميركي السابق في إسرائيل (2011 – 2017)، دان شابيرو، مقالاً عبّر فيه عن خشيته من أن يكون دونالد ترامب، نتيجة اغتياله سليماني، قد سلّم العراق بالفعل لإيران، محذراً من «الردّ الإيراني الاستراتيجي الصبور» بالضغط نحو طرد القوات الأميركية من العراق. وقال إنه «لا ينبغي أن يصاب أحد بالصدمة إذا أعلن ترامب، مع ادّعاء بالنصر بعد اغتيال سليماني، إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق. وما إن تغادر تلك القوات، فلا يمكنها أن تبقى كذلك في سوريا، كما أن موظفي السفارة الأميركية في بغداد، وأولئك الذي يعملون مع الكرد في شمال العراق، لن يكونوا في مأمن». وأشار شابيرو إلى المفارقة المتمثلة في أن الآثار المتوقعة من الدرجة الثانية أو الثالثة لاغتيال سليماني هي زيادة كبيرة في النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، في نتيجة من الصعب أن تكون إيجابية لمصالح الولايات المتحدة نفسها، وكذلك لمصالح حلفائها الإقليميين، فـ«ترامب لا يطبّق استراتيجية، بل يعمل باندفاع لتحقيق الأفضل، على رغم أنه في كثير من الأحيان يحقق الأسوأ».
أما صحيفة «معاريف»، فقد رأت، في مقال تحت عنوان «حرب الاستنزاف» تناول الردود المحتملة على القوات الأميركية في العراق والمنطقة، أن «حرب استنزاف القوات الأميركية في الشرق الأوسط تستغرق وقتاً، لكنها ستكون إشكالية من ناحية ترامب، وتؤدي فعلاً إلى تآكل موقفه السياسي في عام الانتخابات، خاصة إن بدأ الجنود الأميركيون يصلون بالتوابيت إلى الولايات المتحدة».