تتهيّب السعودية إزاء الردّ الإيراني المفتوح على اغتيال قاسم سليماني، وما سيترتّب عليه مِن تصعيد جديد في الإقليم ربما تكون المملكة أولى ضحاياه، خصوصاً لناحية شمولها في مرمى نيران حركة «أنصار الله»، وخشيتها من ضربة موازية لتلك التي استهدفت منشأتَي «أرامكو» في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي، وكشفت عن قابلية البنى التحتية السعودية وضعفها إزاء الهجمات، مترافقة مع هروب أكبر للمستثمرين الذين تعتمد عليهم الرياض في مرحلة انتقالها إلى اقتصاد «مُنتج» لا يعتمد حصراً على النفط. التصعيد الذي وصفته المملكة بدايةً بـ«الخطير للغاية»، ساعيةً للنأي بنفسها مِن الغارة الأميركية كونها حدثت من دون «التشاور معها»، ليس في مصلحة الرياض التي أدرجت للتوّ أسهم «أرامكو» في البورصة المحلية، مرجئة اكتتاباً دولياً لجزء من أسهم عملاق النفط. وكان وليّ عهد المملكة محمد بن سلمان، سعى، جنباً إلى جنب حليفه ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، إلى افتتاح موسم تهدئة، بينما تتحضّر الرياض لاستضافة «قمة العشرين» هذا العام، وتحتضن دبي «إكسبو 2020». توّج ذلك التوجّه اللقاء الذي جمع «المحمدين» في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، مفتتحاً مرحلةً جديدة لطيّ صفحةٍ من التصعيد الإقليمي، تبدأ بإيجاد مخرج من ورطة اليمن، وفتح قناة مع قطر تعيد ترتيب البيت الخليجي، وصولاً إلى اتخاذ خطوات نحو محادثات سعودية - إيرانية بوساطة عراقية، في مسعى لنزع فتيل التوترات في المنطقة.

لفترةٍ طويلة، كانت السعودية أحد الأطراف المحفّزة لسياسة «حافة الهاوية» مع إيران، ومن الداعين إلى موقف أكثر تشدّداً إزاء غريمتها، لكن ذلك تبدّل مع اتخاذ المملكة موقفاً مهادناً إزاء الصراع الأميركي - الإيراني، خشية استهدافها بأيّ عمل عسكري. وقد ازداد هذا الخوف عقب الضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدتَي «عين الأسد» وأربيل الأميركيتَين في العراق. وإذ نددت، السعودية، أمس بـ«الانتهاكات الإيرانية للسيادة العراقية»، فهي جدّدت دعوتها إلى «ضرورة ضبط النفس من قِبَل كافة الأطراف»، وحثّت على «الحرص على عدم التصعيد للحفاظ على أمن واستقرار العراق الشقيق والمنطقة» بحسب بيان وزارة الخارجية المملكة.

جدّدت السعودية دعوتها إلى «ضرورة ضبط النفس من قبل كافة الأطراف»


وفي مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي عقب اغتيال سليماني، دعا ابن سلمان إلى جهود لتهدئة الوضع، وأوفد الاثنين الماضي شقيقه خالد على رأس وفد إلى واشنطن لشرح القلق السعودي، وحثِّها على ضبط النفس وبحث ما يمكن اتخاذه من إجراءات للحفاظ على استقرار المنطقة. أما في الإمارات (حيث يشكل الأجانب حوالى 88% من السكان)، والتي تقع غالبية مدنها في مرمى الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى ما يجعلها أكثر عرضةً للمخاطر مقارنةً بغيرها من دول الخليج، فقد دعا وزير الدولة للشؤون الخارجية فيها، أنور قرقاش، إلى «التصرُّف بحكمة وبنهج عقلاني بعيداً عن العواطف».
المخاوف التي تبدّدت مرحلياً من تفاقم التصعيد، عقب استيعاب الإدارة الأميركية الضربة الإيرانية، انعكست إيجاباً على أداء بورصات الخليج يوم أمس، إذ حقّقت البورصة السعودية أداء أفضل من سائر بورصات المنطقة، حيث عدل المستثمرون مراكزهم بفعل مؤشرات على عدم حدوث المزيد من التصعيد بين طهران وواشنطن. سبق ذلك تقرير لوكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني يحذّر من أيّ تصاعد محتمل للصراع، قد يؤدي إلى تراجع أكبر للثقة والاستثمار في منطقة الخليج، برغم توقّعها أن التصعيد سيظلّ محدوداً لأن وقوع مواجهة عسكرية مباشرة سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عموم المنطقة، بمن فيها حلفاء الولايات المتحدة.