يحاول رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن ينتزع شرعية حزبية للاستمرار في أخذ الكيان بكامله رهينة في مقابل نجاته من القضاء. وهي استراتيجية بدا لافتاً أن حزب «الليكود» ومعسكر اليمين تناغما معها، إلى حدّ التسبّب في شلّ الحكومة طوال العام الجاري. في هذا السياق، تأتي الانتخابات التمهيدية داخل «الليكود» لتمثّل حدثاً استثنائياً؛ بالنظر إلى أن المرة الأخيرة التي جرت فيها مثل هذه الانتخابات كانت في 2014، عندما فاز نتنياهو على داني دانون، وكرّس بذلك هيمنته على الحزب الذي يبدو أنه يعاني من فقدان قيادات قادرة على استقطاب جمهوره ومعسكر اليمين، أو تشكيل بديل قوي من نتنياهو.

من أبرز علامات تلك الانتخابات أنها تكشف عن مستوى التطرف الأيديولوجي الذي يسود «الليكود». وهو ما تبيّن في محاولة ساعر منافسة نتنياهو في تظهير خيارات أكثر تطرفاً في شأن القضية الفلسطينية. ولذا، احتلّت قضية «خان الأحمر» نقطة ارتكاز في حملته الانتخابية، إذ عبّر عن سخريته منها بالقول: «حكومة إسرائيل تخاف من لاهاي»، مشيراً بهذا إلى امتناع الحكومة عن إخلاء القرية الفلسطينية بسبب الخوف من «المحكمة الجنائية الدولية»، وهو الأمر الذي أكده وزير الخارجية، يسرائيل كاتس. كذلك، حرص ساعر على تظهير خلفياته اليمينية بالتأكيد أنه «ينوي مواصلة الكفاح من أجل مستقبل الضفة الغربية بالأفعال لا بالأقوال». وتنبع خصوصية موقفه المتقدّم من أنه أتى في الوقت الذي قررت فيه النيابة العامة في «الجنائية الدولية» أن ثمة أساساً للتحقيق ضد إسرائيل حول ارتكابها جرائم حرب، ما يكشف عن نوع من الإجماع الإسرائيلي في مواجهة المحكمة. أما أكثر ما يلفت في حملة ساعر الدعائية فهو أنه لم ينطلق في منافسته نتنياهو من كون الأخير زعيماً فاسداً أساء إلى صورة إسرائيل، بل من زاوية أن تلك التهم أضرّت بالحزب ومعسكر اليمين بالدرجة الأولى. وعلى هذه الخلفية، لا يبدو مستغرباً إعلانه أنه إذا فاز برئاسة «الليكود»، فسيعمل على تعيين نتنياهو رئيساً للدولة، علماً بأن هذا الموقف ينطوي على أبعاد تكتيكية تخدمه في المنافسة على رئاسة الحزب.
في المقابل، لم يُخفِ نتنياهو حقيقة أنه يحاول انتزاع شرعية شعبية في مقابل الشرعية القضائية، وهو ما أفصح عنه في مقابلة مع إذاعة الجيش، قال فيها إن «الشعب هو مَن يقرر مَن الذي سيقود الحكومة المقبلة... مَن يقرر مَن سيقود الليكود هم أعضاء الليكود فقط». وفي الاتجاه نفسه، سخر مكتبه، أمس، من اقتراح ساعر تعيين نتنياهو رئيساً للدولة، معتبراً أن «مناورة ساعر تشير إلى أنه يسير مع خط الإعلام واليسار للتخلص من رئيس الحكومة برئاسة البلاد. هذا ليس الوقت للانقسام في الليكود وإنما للوحدة حول نتنياهو». أيضاً، تَوجّه رئيس حكومة العدو إلى المحكمة العليا كي تترفّع عن هذه النقاشات حول أهليته لتشكيل الحكومة المقبلة، مستعيناً بآراء من سمّاهم «كبار الفقهاء الدستوريين من غير المؤيدين لليكود، والذين شددوا على أنه يجب الوثوق بالديموقراطية. في الديموقراطية، الشعب من يقرر». كما لم تفته الإشارة إلى عزمه على ضمّ غور الأردن وشمالي البحر الميت، حيث جدّد نيته التوجّه إلى الولايات المتحدة وحثها على الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على جميع التجمعات والبؤر الاستيطانية في الضفة المحتلة، وهو بذلك يريد استمالة قاعدة «الليكود» المتطرفة.
وفي ما بدا استجابة لمطلب نتنياهو، امتنع المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، في مذكّرة قدّمها إلى «المحكمة العليا»، عن إصدار وجهة نظر قانونية حول إمكانية تشكيل حكومة جديدة من قِبَل نتنياهو، المتهم بمخالفات فساد خطيرة. جاء هذا ردّاً على طلب وُجّه إلى المحكمة يدعو المستشار إلى أن يدلي بموقفه، لكن الأخير رأى أن النقاش في المحكمة ينبغي أن يتمحور حول ما إذا كان بالإمكان أصلاً بحث هذه المسألة قانونياً الآن، واعداً بأنه إذا قرّرت المحكمة أن ذلك ممكن فسيبلور موقفه القانوني. ويُفترض أن تنظر «العليا» في التماس تمّ تقديمه حول هذه القضية، عبر هيئة من أقدم ثلاثة قضاة فيها برئاسة رئيس المحكمة، إستير حيوت، إضافة إلى القاضي نيل هندل الذي يتولى حالياً رئاسة «لجنة الانتخابات المركزية». ورأى مندلبليت أن لا جدوى من تقديم وجهة نظره (الآن)، مشيراً إلى أن ثمة اعتبارات تؤيد هكذا خطوة، وأخرى تعارضها.