اعتباراً من يوم أمس، تاريخ تدشين أنبوب الغاز الروسي - الصيني المشترك «قوة سيبيريا»، أصبح البلدان أمام أفق جديد من العلاقات، سيحمل، كما قال الرئيس الروسي، التعاون الاستراتيجي بينهما إلى مستوى مختلف تماماً، فضلاً عن أن المشروع الضحم سيُحكِم سيطرة روسيا على سوق الغاز العالمية، كونه يتزامن مع مشروعين كبيرين آخرين، سيجري تدشينهما تباعاً، هما: خطّ «نورد ستريم 2» الروسي - الألماني، وخطّ «تورك ستريم» الروسي - التركي.

«الصنبور مفتوح!»؛ بهذه العبارة أذِن رئيس مجموعة «غازبروم» الروسية الحكومية، أليكسي ميلر، ببدء ضخّ الغاز الروسي من حقول الغاز في سيبيريا الشرقية إلى الحدود الصينية عبر أنبوب «باور أوف سايبيريا» (قوة سيبيريا). الأنبوب الضخم الذي دُشِّن يوم أمس، يمتدّ على مسافة نحو ثلاثة آلاف كيلومتر بين غابات الصنوبر والأراضي المتجمّدة، ويُفترض أن ينتهي بناء الجزء الصيني منه في حلول عام 2023، ما سيسمح بنقل 38 مليار متر مكعّب من الغاز سنوياً إلى شنغهاي (9.5% من الغاز المستهلك في الصين) لإشباع الحاجة الضخمة إلى الطاقة في الصين، أول مستورد للطاقة في العالم. مشروع أنبوب الغاز هذا يرافقه عقدٌ ضخم لإمدادات الغاز إلى الصين تُقدّر قيمته بأكثر من 400 مليار دولار ومدّته ثلاثون عاماً تم توقيعه عام 2014 بين «غازبروم» الروسية العملاقة والشركة الصينية الوطنية للنفط والغاز، بعد عقدٍ من المفاوضات. ويمثّل «قوة سيبيريا»، أكبرُ مشاريع «غازبروم» الاستثمارية على الإطلاق بكلفة بلغت نحو 55 مليار دولار، يدَ بوتين الممدودة لآسيا، في وقت تشهد فيه العلاقات مع شركائه الغربيين التقليديين توتّرات نسبية، على خلفية الأزمة الأوكرانية. على هذه الخلفية، لاقى خطّ الأنابيب الذي تمّ بناؤه في ظلّ ظروف مناخية وجيولوجية قاسية، انتقادات تَعتبر أن تكلفة بنائه الخيالية تؤشّر إلى أنه قد لا يكون مربحاً، وإنما جرى بناؤه لأهداف سياسية ودبلوماسية، أكثر منها اقتصادية. غير أن محلّلين في وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية، قالوا «(إننا) نشهد على نهضة» قطاع الغاز الروسي الذي أصبح «رائداً أكثر وأذكى تجارياً ويتصرّف على أساس استراتيجيي أكثر من أي وقت مضى».

لا تزال مبيعات الغاز إلى دول أوروبا وتركيا تؤمّن الجزء الأساسي من أرباح «غازبروم»


وأشرف الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، خلال اتصال فيديو بينهما، على تدشين «تاريخي جداً» لأنبوب «قوة سيبيريا»، «لا يقتصر على أسواق الطاقة العالمية»، بل سيحمل، بحسب بوتين، «التعاون الاستراتيجي الروسي - الصيني إلى مستوى مختلف تماماً»، بينما شدّد شي على أن «تنمية العلاقات الصينية الروسية ستكون أولوية السياسة الخارجية لكلّ من البلدين»، وأن هذا «المشروع الكبير، سيكون شاهداً على العلاقات الاستراتيجية والتعاون» بينهما. خطوةٌ تضع الصين على رأس قائمة المستوردين للبضائع الروسية، وتجعلها ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي من روسيا بعد ألمانيا، بينما تأتي في وقت تسعى فيه موسكو إلى إطلاق مشروعين جديدين لتصدير الطاقة. وفيما تُبقي هذه الأخيرة عينها نحو الشرق، لا تزال مبيعات الغاز لدول أوروبا وتركيا تؤمّن، حتى الآن، الجزء الأساسي من أرباح «غازبورم». من هنا، فإن عملاق الغاز الحكومي سيُبقي تركيزه منصبّاً على زبائنه الأوروبيين الرئيسين، على رغم التوترات التي رافقت ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، وما تلاها من عقوبات اقتصادية فُرضت عليها على خلفية الخطوة هذه.
وسيُدشَّن في الأسابيع القادمة أنبوبان آخران: خطّ «نورد ستريم 2» الروسي - الألماني، وهو ثاني أنبوب غاز عبر بحر البلطيق بهدف الالتفاف على أوكرانيا، حيث يعبر عادةً الغاز الروسي الذي يشتريه الاتحاد الأوروبي. وتنقسم دول الاتحاد الأوروبي حيال ذلك المشروع؛ فبعضها، على غرار بولندا ودول البلطيق، يندّد بـ«الخطر» الذي يشكّله الاعتماد الكبير في مجال الطاقة على موسكو، والتخلي عن «الصديق» الأوكراني. لكن في نهاية المطاف، نجحت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في فرض المشروع على رغم ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وسيسمح تشغيله بمضاعفة عمليات نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الشمال لتصل الكمية إلى 110 مليارات متر مكعّب سنوياً. أما في الجنوب، فسيلتفّ أنبوب غاز آخر على أوكرانيا اعتباراً من كانون الثاني/ يناير، وهو الأنبوب الروسي - التركي. وفيما يرمز أنبوب «تورك ستريم» إلى التفاهمات المتقدمة بين روسيا وتركيا، إلا أنه يشير أيضاً إلى التوترات المتزايدة بين أنقرة وحلفائها في «حلف شمال الأطلسي».