لندن | تلقّى رئيس الوزراء البريطاني هزيمة قاسيةً في مجلس العموم، بعد خسارته تصويتاً لمشروع قرار بتأجيل النظر في مشروع الاتفاق الذي توصّل إليه مع بروكسل الأسبوع الماضي، وذلك كي يتسنّى للبرلمان الاطلاع على تفاصيله والتداول في شأنه، قبل التصويت عليه بصيغة نهائية. خسارةٌ فرضت على الحكومة الطلب رسمياً إلى الاتحاد الأوروبي تمديد مهلة موعد «بريكست» تحت طائلة الملاحقة القانونية.

عشرات آلاف البريطانيين خرجوا، أول من أمس، للتظاهر في قلب لندن وجوار مقرّ البرلمان (ويستمنستر) ضدّ مشروع الاتفاق الذي توصّل إليه رئيس الوزراء، بوريس جونسون، خلال اجتماعه، الخميس الماضي، مع نظرائه الأوروبيين في بروكسل لمناقشة تفاصيل إنهاء عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. في هذه الأثناء، كان مجلس العموم يعقد جلسة استثنائية، انتهت بعد مناقشات عاصفة إلى اعتماد قرار (بغالبية 326 صوتاً مقابل 306) بتأجيل التصويت على مشروع جونسون، إفساحاً في المجال أمام البرلمان لدراسة تفاصيله. قرارٌ يستدعي، قانونياً، طلب الحكومة من بروكسل تأجيل مهلة التوصل إلى اتفاق نهائي حول تفاصيل «بريكست»، ويفرض على رئيسها العودة إلى البرلمان خلال ثلاثة أيام لتقديم خطة بديلة.
البرلمان المنشطر بين معسكرين تجاه مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، نجح في استعادة السيطرة من سلطة تنفيذية يهيمن عليها عتاة «بريكست» في «حزب المحافظين»، وتسعى إلى حرق المراحل لتنفيذ طلاق نهائي مع الاتحاد قبل انتهاء المهلة المحدّدة في 31 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري. وفي الحقيقة، لن يكون هناك اتفاق ذو قيمة ما لم يصادق عليه البرلمان، وهو ما حاول جونسون التحايل عليه عبر محاولته الفاشلة تعليق جلسات مجلس العموم، وحشد تأييد يمين المجلس لقبول مشروع اتفاقه من دون تمحيص.
هزيمة جونسون الجديدة هذه، والتي تُضاف إلى سلسلة هزائم متتالية تلقّاها في المجلس منذ تولّيه السلطة قبل 88 يوماً، وضعته وحزبَه الحاكم في موقف سياسي وتقني لا يحسدان عليه. وفي تصريحات متسرّعة له بعد الجلسة الاستثنائية، عبّر رئيس الوزراء البريطاني عن رفضه الطلب إلى بروكسل، مجدداً، تمديد مهلة «بريكست»، قبل أن يُوجّه رسالة في هذا الشأن إلى رئيس المفوضية الأوروبية، دونالد توسك، إثر نصيحة عاجلة من مستشاريه القانونيين، تفادياً لملاحقته قضائياً، وفق قانون أُقرّ أخيراً. توسك، من جهته، أعلن أنه تسلّم طلب التمديد، وأنه سيعرضه على مجلس سفراء دول الاتحاد (أمس)، في انتظار أن يحصل على موقف من القادة الأوروبيين (27 دولة) خلال أيام. لكن الإشارات الأولية من برلين وباريس ودبلن (والأخيرة معنية تحديداً بسبب عقدة الحدود الإيرلندية الأصعب في مفاوضات «بريكست»)، والتصريحات المتقاطعة للسياسيين، أنبأت جميعها بوجود توجّه لقبول التمديد، أقلّه حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر.
يميل المراقبون في لندن إلى الاعتقاد بأن جونسون سيناور مجدداً خلال الأسبوع الجاري لإقناع مجلس العموم بالتصويت على مشروع اتفاق «بريكست» كما هو، موزِّعاً لأجل ذلك الوعود البرّاقة والمتناقضة أحياناً على الأفرقاء السياسيين. وهو وعد نواب «حزب العمّال» المعارض، مثلاً، بحماية حقوق العمّال البريطانيين بعد «بريكست»، وعدم التراجع عن مكتسباتهم القانونية وفق نظام الاتحاد الأوروبي، بينما وعد عتاة «البريكستيين» بقطيعة تامة مع تشريعات بروكسل، وتحرير قطاعات المال والخدمات من الرقابة اللصيقة. لكن من الواضح الآن أن أجندة الرجل لا تخرج عن توجّه نخبوي الطابع يسعى إلى إدارة بريطانيا ظهرها للتكتل الأوروبي، والتشبيك المعمّق مع واشنطن اقتصادياً وسياسياً.

أضاعت الكتل السياسية فرصاً تاريخية عديدة للتوحّد حول إسقاط الحكومة


لا يمتلك بوريس جونسون أيّ تفويض حقيقي من مواطنيه للتصرف في مسألة على هذه الدرجة من الخطورة، وخاصة في ظلّ التبعات المتوقعة على اقتصاد البلاد ومستقبلها. وتبدو مناوراته السياسية متهوّرة وغير قانونية، ومهينة لمجلس العموم. وهو يحتفظ بمقعد رئيس الوزراء بفضل غالبية هشّة حصل عليها حزبه إثر انتخابات مبكرة في عام 2017، حين تحالف مع «حزب الديموقراطيين الوحدويين» (يميني متطرّف في إقليم إيرلندا الشمالية)، والذي يمتلك بضعة مقاعد قليلة في البرلمان. كما أن مشروع الاتفاق الذي حصّله الرئيس العتيد من بروكسل يتضمّن، إلى الأعراض الجانبية السلبية الكثيرة اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً ولوجستياً، بذرة تفكّك المملكة المتحدة، وانفضاض الأقاليم الخاضعة لحكم الملكة عنها واحداً تلو الآخر. إذ يُبقي، عملياً، إقليم إيرلندا الشمالية تحت رعاية الاتحاد الأوروبي، ولكن أقرب إلى دبلن. وتسعى الأخيرة، من دون كلل، إلى إعادة توحيد الجزيرة الإيرلندية وإنهاء الوجود البريطاني فيها إلى الأبد، وتلك مسألة تثير حفيظة إقليمَي اسكتلندا وويلز اللذين صوتت غالبية سكانهما لمصلحة البقاء في التكتّل الأوروبي، وإنْ تطلّب ذلك استقلالهما السياسي.
إلا أن كل هذه الفوضى الغامرة والهزائم المتكررة لرئيس وزراء ضعيف لا تعني بالضرورة أن المعارضة في بريطانيا قادرة على استعادة المبادرة وفرض إيقاعها على الأحداث، علماً بأن العراقيل التشريعية التي وضعها البرلمان في وجه جونسون جاءت من نواب أفراد، بعضهم مؤيّد بالفعل لـ«بريكست»، لكنه يريد التوصل إلى اتفاق طلاق منظّم مع بروكسل. وقد أضاعت الكتل السياسية فرصاً تاريخية عديدة للتوحّد حول إسقاط الحكومة ونقل صلاحيات التفاوض على «بريكست» إلى جيريمي كوربن، زعيم أكبرها («حزب العمّال» 263 نائباً)، ولو من خلال حكومة موقتة. وليس في الأفق ما يشير إلى حدوث اختراق رئيس في هذا الإطار خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
تتبقى بين يدي جونسون، راهناً، في حال فشله في إقناع البرلمان بالتصديق على مشروع اتفاقه بداية الأسبوع المقبل، ورقة أخيرة لاستعادة السيطرة من ويسمنستر، وذلك عبر طرحه الاتفاق للتصويت الشعبي المباشر. لكن تلك مقامرة كبرى في ظلّ تحوّل في مزاج الجمهور البريطاني في شأن «بريكست»، كما يُقرأ من نتائج 75 من مجموع 76 استطلاعاً للرأي العام، أجريت منذ استفتاء عام 2016 الذي صوّتت فيه غالبية ضئيلة (أقلّ من 52%) لمغادرة الاتحاد. ولعلّ مشهد مغادرة بعض النواب من عتاة «بريكست» مقرّ البرلمان بحماية رجال الشرطة بعد انتهاء الجلسة الاستثنائية، يشير إلى أن المخرج الوحيد الممكن للنخبة البريطانية الحاكمة من هذه الأزمة المعقّدة قد يكون في حلّ الحكومة القائمة، والدعوة إلى انتخابات مبكرة عاجلة علّها تمنح أحد الأطراف شرعية كافية لإدارة الأزمة.