ضربت إيران عرض الحائط بالمخاطر السياسية والقانونية المترتبة على خرق الاتفاق النووي، فأعلنت بدء تخصيب اليورانيوم بدرجة أعلى من المسموح بها. الأطراف الأوروبيون الموقّعون على الاتفاق اكتفوا بإدانة الخطوة، من دون إبداء الرغبة حالياً في استخدام المسارات القانونية التي قد تُرجع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن مجدداً. وأعطت القيادة السياسية الإيرانية، صباح أمس، الإشارة لهيئة الطاقة الذرية في البلاد كي ترفع نسبة تخصيب اليورانيوم في المفاعلات النووية بما يتناسب مع الحاجة الإيرانية. المسؤولون الإيرانيون، وعلى رغم تأكيدهم أن مفاعل «بوشهر» يحتاج إلى يورانيوم مخصب بنسبة 5%، فإنهم لم يجعلوا تلك النسبة سقفاً أعلى لمستوى تخصيبهم في المستقبل، إذ أفصحوا عن وجود يورانيوم مخصب بنسبة 20% في مفاعل طهران النووي يكفي حاجات البلاد في هذه الأثناء، الأمر الذي يؤشر إلى أن طهران لن تتورع عن العودة إلى النقطة الصفر متى ما احتاجت مفاعلاتها إلى يورانيوم مخصّب بنسبة 20%.

خطوة التصعيد الإيرانية الجديدة ستجعل طهران، بعد أقلّ من 24 ساعة، متهمة أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بخرق الاتفاق النووي، وهذا ما يختلف عن قرار التصعيد السابق الذي لم يمثل إعلانه خرقاً مباشراً للاتفاق، لكن الإصرار على تنفيذه برفض إيران بيع اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67%، أوقع الأخيرة بعد قرابة 60 يوماً في موضع الناقض للخطة المشتركة الشاملة. الأطراف الغربيون المشاركون في الاتفاق النووي لم يتأخروا في التعليق على القرار الإيراني، فبعد أن أعربت ألمانيا عن قلقها من الخطوة الإيرانية، أعلن متحدث باسم خارجيتها عن اتصالات تجريها بلاده مع كل من بريطانيا وفرنسا لتحديد الخطوات الأوروبية التي لا ترغب باريس، بحسب بيان الإليزيه، في الوصول بها حالياً إلى آلية فض النزاعات المنبثقة من الاتفاق. هذه الآلية تعطي الأطراف حق اللجوء إليها لمعالجة الخروقات خلال مهلة 65 يوماً، تتدرج خلالها مستويات المعالجة، على أن تبدأ من اللجنة المشتركة التي تتابع بشكل دوري تطورات الملف ومعوّقاته، لتمر بعد ذلك على وزراء خارجية الدول الموقعة، حتى تصل إلى مجلس الأمن الدولي الذي أقر الاتفاق عام 2015 بقرار أممي حمل الرقم 2231.

حدّد الاتفاق مهلة 65 يوماً تتدرج خلالها مستويات المعالجة


وفي تفاصيل العمل بهذه الآلية، ينص الاتفاق النووي على أن «أي طرف من أطراف الاتفاق النووي يحق له أن يتقدم بشكوى إلى لجنة مشتركة تتكون من إيران وروسيا والصين وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ــــ أميركا كانت عضواً في تلك اللجنة قبل انسحابها من الاتفاق ــــ في حال اعتقد أن طرفاً آخر لا ينفذ الالتزامات المترتبة عليه في الاتفاق النووي». وقد منح الاتفاق تلك اللجنة 15 يوماً قابلة للتمديد بتوافق جميع الأعضاء، وفي حال عدم قدرتها على حل المشكلة، تُحال القضية إلى وزراء خارجية الأطراف، الذين مُنحوا كذلك 15 يوماً قابلة للتمديد بالتوافق. وفي موازاة هذا المسار أو بدلاً منه، فإن الاتفاق يمنح الطرف صاحب الشكوى أو الطرف المُدان بنقض التعهدات أن يطلب تشكيل لجنة استشارية ثلاثية تبحث في هذه القضية، على أن يعين كل من الطرفين حينئذ عضواً في اللجنة، إضافة إلى عضو ثالث يكون مستقلاً، وفي حال تشكلت اللجنة الاستشارية فإن الاتفاق يعطيها 5 أيام فوق الـ15 المخصصة لتلك المرحلة، كي تبدي رأيها غير المُلزم في القضية.
هذا الرأي المنبثق عن اللجنة الاستشارية أو عن مداولات وزراء الخارجية، إن لم يستطع إرضاء صاحب الشكوى، فإن الأمور تصل إلى مرحلة سمّاها الاتفاق النووي «الامتناع المؤثر عن أداء الواجبات». وعليه، فإن الطرف المشتكي يُسمح له وفق الاتفاق باعتبار المشكلة غير محسومة، ما يبرر امتناعه عن أداء الالتزامات المترتبة عليه بمقتضى خطة العمل الشاملة، أو نقل القضية بمجملها إلى مجلس الأمن الدولي الذي يتعين عليه أن يصوت على مشروع قرار يسمح باستمرار تخفيف العقوبات على إيران، بشرط عدم استخدام حق النقض «الفيتو» من قِبَل الدول دائمة العضوية في المجلس. ويصبح القرار سارياً بموافقة 9 من أصل 15 عضواً في مجلس الأمن الذي يتعين عليه إعادة الفرض التلقائي لكل العقوبات التي أقرها خلال السنوات الماضية على إيران، في حال لم يحسم التصويت مصير تخفيف العقوبات.