الحملة الهادفة إلى تجريم التضامن مع الفلسطينيين انتقلت إلى مرحلة حاسمة، مع مسعى قوننة المساواة بين مناهضة الصهيونية واللاسامية. هذا المسعى السياسي ليس جديداً، لكنه يحتلّ صدارة المشهد الإعلامي اليوم، في سياق اشتداد «القمع القانوني» للحركات المساندة لفلسطين. منذ عام 2004، صدر تقرير رسمي بعنوان «ورشة عمل حول مكافحة العنصرية واللاسامية»، أُعدّ تحت إشراف الكاتب والسفير السابق جان كريستوف روفان، وسُلِّم لدومنيك دو فيلبان، وزير الداخلية آنذاك. تضمّن التقرير تعريفاً للعداء للصهيونية باعتباره شكلاً عنيفاً من اللاسامية، أو «لاسامية بالوكالة» كما سمّاه روفان.

عام 2009، تعزّز هذا التوجه مع إطلاق عريضة تطالب بإصدار قانون يساوي بين العداء للصهيونية واللاسامية، أي بكلام آخر تجريم أي رأي مناهض للأسس العرقية والدينية التي تستند إليها الدولة الصهيونية لحرمان شعب من ممارسة حقه في تقرير المصير، والمضي قدماً في سياستها الاستعمارية.

مشروع القانون المطروح اليوم هو نتاج لاستراتيجية طويلة الأمد (عن الويب)

عام 2010، تمّ تبني «مرسوم آليو ماري»، الذي يوصي بالملاحقة القضائية لِمن يدعو إلى مقاطعة إسرائيل، في محاولة مكشوفة لمنع أي نقد لها، ولنزع الشرعية عن الأنشطة التضامنية مع حقوق الفلسطينيين التي نصّت عليها قرارات الأمم المتحدة.
المناخ القمعي ازداد حدّة عام 2015، عندما تعرضت مجموعة من مناضلي حركة المقاطعة للمحاكمة والإدانة بتهمة «الدعوة العلنية للتمييز»، بعد مشاركتها في أنشطة في أسواق تجارية تخلّلها حثّ الزبائن على عدم شراء بضائع منتجة في المستوطنات الإسرائيلية.
مشروع القانون المطروح اليوم هو نتاج لاستراتيجية طويلة الأمد. وقد شرح ريتشارد فولك، المقرر السابق للأمم المتحدة حول أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، في مقال بعنوان «اللاسامية الجديدة»، مغزى الجهود الصهيونية «لإسكاتنا ومعاقبة مبادراتنا النضالية السلمية، بتهم سامة فتاكة» موجهة خاصة ضد حركة المقاطعة التي أصبحت أكثر فاعلية في السنوات الأخيرة.
مع اتضاح الطبيعة الفاشية للمجتمع الإسرائيلي، واتجاه دولته لتثبيت سيطرتها الاستعمارية على الفلسطينيين عبر الإرهاب وسياسة فرض الوقائع الجديدة على الأرض، يصبح من الحيوي بالنسبة إليها اعتماد خطاب المساواة بين مناهضة الصهيونية واللاسامية. وتشكل نجاحات حركة المقاطعة، وخسارة إسرائيل لمعركة الصورة، حافزَين إضافيين لاعتماد هذا الخطاب.
سبق للصحافي دوني سيفير أن أشار، في كتاب صدر قبل عشر سنوات بعنوان «الحرب الإعلامية الإسرائيلية الجديدة»، إلى ضخامة الحملة الإعلامية الهادفة إلى دعم الآراء المؤيدة لإسرائيل. وهو يحلّل كيفية نجاح مروجي هذا الخطاب الدعائي في مساواة المعتدي بالمعتدَى عليه في التصورات الإعلامية السائدة، وفي فرض سردية عن المعركة الدائرة في فلسطين من منظور أطروحة صراع الحضارات التي صاغها صاموئيل هانتغتون، وتظهير إسرائيل بصورة الضحية.
ولكن إسرائيل، في السنوات الأخيرة، لم تعد قادرة على تقديم نفسها بهذه الصورة، وبأنها مهددة من تنظيمات إرهابية، وباتت ـــ على العكس من ذلك ــــ تحتل موقع الجلاد برأي قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية. دفعها ذلك إلى الانتقال من الحرب الإعلامية إلى الإرهاب الفكري العشوائي والمنفلت من عقاله. هذا يعني، من جهة، اعتبار أي معارضة لسياستها نوعاً من اللاسامية، واتهام جميع الشخصيات اليهودية الناقدة لهذه السياسة بأنها تعاني من عقدة «كراهية الذات»، كما يلحظ المفكر الأميركي نعوم شومسكي، من جهة أخرى، ليسهل بالتالي اتهامها هي الأخرى باللاسامية. هذا ما تعرض له المفكر الفرنسي اليهودي إدغار موران، الذي أدين أمام القضاء عام 2005 بتهمة التحريض العرقي، بعد نشره مقالاً نقدياً للسياسة الإسرائيلية في صحيفة «لوموند». وعلى الرغم من إلغاء الحكم الصادر بحقه بعد قيامه باستئنافه عام 2006، فقد تعرض لحملة تشهير عنيفة.
لكن أجواء الإرهاب الثقافي والفكري المخيمة على فرنسا حالياً لا تمنع شخصيات يهودية، كميشيل سيبوني مثلاً، من الاستمرار في التصدي الشجاع لمحاولات التوظيف السياسي الرخيصة لتهمة اللاسامية.