«كراهيتنا لأميركا تصل إلى أعالي السماء»

نشيد ثوري فيتنامي أيام حرب التحرير

أعلنت الولايات المتحدة، خلال هذا الشهر، أنها ستعلّق التزامها بمعاهدة القوى النووية المتوسّطة المدى الموقعة عام 1987، وتبدأ عملية الخروج منها، مُتهمةً روسيا بانتهاك المعاهدة. وسيتيح ذلك لواشنطن حرية تطوير صواريخ جديدة. رداً على هذا الإعلان، قال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في خطاب ألقاه الأربعاء الماضي، إن بلاده ستردّ على نشر أي أسلحة نووية قصيرة أو متوسطة المدى من جانب واشنطن في أوروبا، ليس فقط باستهداف الدول التي تُنشر فيها هذه الصواريخ، بل وباستهداف الولايات المتحدة نفسها.
كعادتهم، غلّب المعلّقون الغربيون الاعتبارات الداخلية لتفسير موقف بوتين، مع تجاهل كامل للقرار الأميركي، معتبرين أن الرئيس الروسي بدأ يواجه للمرة الأولى منذ وصوله للحكم عام 2000 تراجعاً جدّياً في معدلات شعبيته، نتيجة بعض القرارات التي اتخذها في الآونة الأخيرة، كرفع قيمة الضريبة المباشرة على القيمة المضافة من 18 إلى 20%، وسنّ التقاعد من 60 إلى 65 سنة للرجال، ومن 55 إلى 63 سنة للنساء. يصبح كلامه في الشأن الدولي، في هذه الحال، نوعاً من المزايدة «القومجية» للحدّ من تدهور شعبيته، والتعمية على المشكلات التي تتسبّب بها.
التغاضي المقصود عن الخلفيات الواضحة للمواقف الروسية، حتى عندما تكون جواباً مباشراً على قرارات وإجراءات أميركية، هو السمة الغالبة على التعاطي الغربي مع روسيا. وهو يثير غضباً متصاعداً في أوساط النخب السياسية والعسكرية في هذا البلد، يخطئ الغربيون في الاستخفاف به وعدم أخذه على محمل الجد.

سيناريو يوم القيامة و«مملكة الدجّال»
في مقال نشرته على موقع «بروجكت سينديكايت»، أشارت دينا خباييفا، الأستاذة في «معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي»، والمعادية لروسيا، إلى أن الرئيس الروسي تحدث خلال العام الفائت عن الفناء النووي أكثر مما فعله أي من الزعماء الغربيين طوال العقد الماضي. ذكّرت خباييفا بمداخلة بوتين أمام «منتدى فالداي» في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والتي أكد فيها أنه في حال وقوع حرب نووية «ستكون روسيا الضحية، لكن على المعتدين أن يعلموا أن الانتقام لا مفرّ منه. الحرب النووية ستفضي إلى كارثة عالمية، لكن الروس سيذهبون إلى الجنة كشهداء، أما المعتدون فسينفقون دون القدرة حتى على الاعتراف وطلب التوبة».
توقع اقتراب ساعة المواجهة الكبرى ويوم الدينونة، نتيجة السياسات الأميركية والغربية الشديدة العداء لروسيا، انتشر بشكل واسع فيها، خصوصاً خلال السنتين الماضيتين. رأس الكنيسة الأورثوذكسية، البطريرك كيريل، رأى «أن المرء ينبغي أن يكون مصاباً بالعمى حتى لا يلحظ دنوّ تلك اللحظة المرعبة التي تحدث عنها القديس يوحنا الإنجيلي في كتاب الرؤيا». أما ألكسندر دوغين، الملقّب بـ«بطريرك الأوراسية»، والمنظّر الأقرب لفلاديمير بوتين، فقد سمّى هذا الأخير «كاتيشون»، أي القائد الأرثوذكسي المكلّف بمنع قيام «مملكة الدجّال»، هذا المزيج من العولمة الغربية ومجتمعات ما بعد الليبرالية وما بعد الصناعة. دوغين ذهب، في إحدى مقابلاته الإذاعية، إلى درجة اعتبار «أن العالم المعاصر، حاله كحال القرون الوسطى، يتوق إلى يوم الدينونة، لأنه من دونه مملّ لأبعد الحدود».

المنطق العميق الذي يتحكم بسياسات الولايات المتحدة يرمي إلى إضعاف روسيا بنيوياً


هذا مجرّد غيض من فيض التصريحات الكثيرة التي تجزم بأن العالم يتجه نحو مصيره المحتوم، وأن الولايات المتحدة ستتحول حينها إلى «كومة من الرماد المشع». خطّ بياني واضح يجمع ما بين هذه المواقف وبين إصرار الرئيس الروسي على الاستعراض الدوري لآخر ما أنتجته الصناعات العسكرية الروسية من أسلحة وصواريخ متطورة، فائقة السرعة والدقة، وقادرة على تجاوز كل أنظمة الاعتراض الأميركية وبطارياتها المضادة للصواريخ. هي جميعها تختصر رسالة روسية للولايات المتحدة وتوابعها الغربيين، تفيد بأن موسكو ماضية في التصدي لاستراتيجية الاحتواء والحصار والاستنزاف ومحاولات تغيير معادلة التوازن الردعي الدولي، وأنها مستعدة لمواجهة أسوأ الاحتمالات وتحمّل نتائجها.
لا تُختزل الحرب بالعمليات العسكرية. قد تكون المذكورة أعلى مستوياتها، إلا أن سباق التسلح والانتشار العسكري المكثف والنوعي في بقاع ذات أهمية استراتيجية، والعمليات الأمنية، وحملات التحريض الإعلامية المستمرة، والحرب السيبرانية، جميعها أشكال متفاوتة من الحرب، وقد يلغي التفوق النوعي في إحداها ضرورة اللجوء للقوة العسكرية لتحقيق الانتصار. فإذا تمكّنت الولايات المتحدة من إنتاج صواريخ مضادة للصواريخ عالية الفعالية، قادرة على تدمير أي صواريخ منطلقة من أراضي روسيا في حال اندلاع صراع بينهما، ستنجح الأولى في احتكار القدرة على استخدام السلاح النووي، وهو ما يعادل عملياً احتكارها للسلاح نفسه. يعني هذا الأمر نهاية التوازن الاستراتيجي الدولي الذي ساد منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي (يوم امتلك الاتحاد السوفياتي السلاح النووي)، والقائم على مبدأ الردع النووي المتبادل، وعودة الولايات المتحدة إلى الهيمنة الأحادية على العالم، والتحكم بمصائر شعوبه وبلدانه.
يندرج السعي المحموم لتوسيع الـ«ناتو» شرقاً وصولاً إلى حدود روسيا، ونشر بطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ في جوارها، ومحاولات استنزافها بسباق تسلح باهظ الأكلاف، في إطار استراتيجية احتواء كتلك التي اعتُمدت ضد الاتحاد السوفياتي وسرّعت انهياره. وإذا أضفنا إلى ذلك كلّ تكتيكات الحرب الهجينة المستجدة، كالحرب السيبرانية والإعلامية والتجارية والعقوبات الاقتصادية، يصبح من الجليّ أن المنطق العميق الذي يتحكم بسياسات واشنطن، واستهدافاته الطويلة الأمد حيال روسيا، يرمي إلى إضعافها بنيوياً أو حتى التسبّب بتفككها.
هو المنطق إياه الذي يحكم السياسة الأميركية منذ عهد أوباما تجاه الصين، وتجاه إيران بعد انتصار ثورتها الإسلامية. وهو منطق يمثل تهديداً وجودياً لهذه الأمم ولشعوبها. عند انتصار الثورة، وصف الإمام الخميني الولايات المتحدة بـ«الشيطان الأكبر». استهجن بعض المتفزلكين ذلك، على قاعدة أنه لا تجوز «أبلسة» الخصوم في الصراع السياسي، متجاهلين التهديد الوجودي الذي يشكله هؤلاء. يبدو أن روسيا، بعد أربعين سنة، تتّجه أيضاً إلى اعتماد «الأبلسة»: «أميركا مملكة الدجّال». وعلى أغلب تقدير، سنسمع في زمن ليس ببعيد التوصيف الذي ستستخدمه الصين حيالها. الأمر المؤكد هو أن كراهية الولايات المتحدة تمتدّ وتتعمّق عبر العالم وتصل «إلى أعالي السماء».