عادة ما يعني الإعلان من واشنطن عن تغييرات في الفريق المكلف بمتابعة أي من الملفات الحساسة الداخلية أو الخارجية وجود تحول في مقاربة هذه الملفات. فحسب العارفين بالشؤون الأميركية، خير تعبير عن السياسة المنوي اعتمادها هو الفريق الذي يتم اختياره لترجمتها على أرض الواقع (Policy is people). والترجمة الصحيحة هي: السياسة هي أولاً الفريق المكلف بوضعها موضع التنفيذ. دايفيد شنكر، الذي عيّن أخيراً مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، كان قد رأى بعد شهرين على وصول الرئيس دونالد ترامب وفريقه إلى السلطة أن على الادارة الجديدة، إن أرادت صياغة استراتيجية مختلفة عن تلك التي اعتمدت في عهد الرئيس باراك أوباما، أن «تبدأ تعيين مئات الموظفين أو أن تعرض تعيينهم على مجلس الشيوخ للحصول على موافقته. فمن دون نواب وزراء ومساعدي وزراء ووكلاء وزراء ومساعدي نواب وزراء، لن يكون بالإمكان اعتماد مثل هذه الاستراتيجية».

ويأتي تعيين إدارة ترامب عدداً من الصقور المعنيين بملف سوريا، وبينهم شنكر، ليغذي التحليلات والتأويلات عن العودة إلى سياسة تدخل نشطة بهدف انتزاع مكاسب وتنازلات من الدولة السورية وحلفائها بعد أن كان ترامب قد أعلن عدة مرات في الأشهر الماضية عزمه على سحب القوات الأميركية قبل نهاية هذا العام، وتكاثرت التقارير عن استعدادات جارية لذلك. السؤال الفعلي اليوم هو عن مدى قدرة الولايات المتحدة على انتهاج سياسة كهذه تحمل المخاطر والأكلاف الناجمة عنها أو هل نحن أمام موقف استعراضي يحفظ ماء وجهها كقوة عظمى ويعوض عن غياب سياسة حقيقية وقدرة على التدخل.
يرى مصدر مطلع زار واشنطن أن الانقلاب المفاجئ الذي طرأ على موقف الرئاسة الأميركية من قضية سحب قواتها من سوريا يعود إلى حجم الضغوط التي تعرضت لها بعد انعقاد قمة هلسنكي بين الرئيسين الروسي والأميركي. لقد ظهر ترامب خلال القمة بمظهر من استسلم تماماً لرؤى الرئيس الروسي وآرائه، وتحديداً في الموضوع السوري. الدولة العميقة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي تخالف توجهاته المهادنة لروسيا وسعيه المستمر للتوصل الى تفاهمات معها، التقطت الفرصة التي وفّرتها الانعكاسات الكارثية للقمة على صورته وسمعته، مع ما يعنيه ذلك من احتمال تراجع في نسبة شعبيته، ونجحت في إقناعه بضرورة الشروع في استدارة كبرى حول سوريا كشرط ضروري لاستعادة مظهر الرئيس القوي.
يؤكد المصدر أن أقطاباً في الحزب الجمهوري، منهم عضو مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، قد أسهموا في الضغط على ترامب لتغيير سياسته السورية. أولى نتائج هذا التغيير تتبدّى في اعتماد خطاب موحد للإدارة عن سوريا ينطلق من تأكيد مركزية الدور الأميركي على الساحة السورية، وأنه يمتلك عدداً من أوراق القوة (leverages)، وهي بمنزلة الكلمة السحرية التي يكثر المسؤولون الأميركيون المعنيون بالملف السوري ترديدها هذه الأيام. وبين أبرزها الوجود العسكري على الأرض والقوى المحلية الحليفة وإمكانية المشاركة في عملية إعادة الإعمار وإسباغ الشرعية على النظام والوجود الروسي. يعتقد هؤلاء المسؤولون أن بلادهم في موقع يسمح لها باستخدام هذه الأوراق للضغط على الدولة السورية وحلفائها بغية استدراج تنازلات منهم يحرص الخطاب الأميركي على تسميتها الإصلاحات، في مجالين: إصلاحات بنيوية ومؤسساتية وأخرى دستورية. لكن، وفق المصدر نفسه، لم يتضح بعد ما هو مضمون هذه «الإصلاحات». ويتساءل كثيرون هل تجنّب الإفصاح عنه هو نوع من «الغموض البناء» كجزء من تكتيك تفاوضي تعتمده الإدارة، أو أن الأهداف الأميركية الحقيقية لا علاقة لها بالإصلاحات أصلاً وتستخدمها كذريعة لإطالة أمد الأزمة والمزيد من استنزاف الدولة السورية وحلفائها بانتظار نضوج ظروف أكثر ملاءمة لواشنطن للبدء بعملية تفاوض واضحة.
أهم رموز الفريق المعين حديثاً، أو الذي ينتظر تعيينهم تصديق مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى ديفيد شنكر، هما السفير جايمس جيفري الذي أصبح الممثل الخاص للولايات المتحدة حول سوريا، وأندرو تابلر الذي ينتظر تعيينه مصادقة المجلس، والمرشح لعضوية مجلس الأمن القومي، الذي يعدّ جزءاً من فريق الرئيس في البيت الأبيض كمسؤول عن الملف السوري. الثلاثة، شنكر وجيفري وتابلر عملوا لسنوات في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، أبرز مركز للوبي الاسرائيلي «أيباك» في الولايات المتحدة. ويتميز شنكر بينهم بصلاته الشخصية الوثيقة مع المسؤولين الإسرائيليين وبعمله في مكتب وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، أيام إدارة جورج بوش الابن. أما جيمس جيفري، فكان سفيراً للولايات المتحدة في تركيا بين عامي 2008 و2010 وفي العراق بين 2010 و2012، وهو عضو في الهيئة الاستشارية الخارجية لـ«وكالة المخابرات المركزية الأميركية». أما أندرو تابلر، فهو الأصغر سناً، ولكن الذي عاش لسنوات في سوريا، حيث أسهم في تأسيس يومية «سيريا تايمز» الصادرة بالإنكليزية، ثم انتقل للعيش في لبنان بضع سنوات، لينتقل فجأة إلى العمل مع «معهد واشنطن»، وليتحول منذ 2011 إلى داعية للمزيد من التدخل الأميركي في الحرب السورية «لتسريع عملية إسقاط النظام».
القرار بتعيين هؤلاء كان قد اتّخذ قبل قمة هلسنكي، وهم أصلاً ليسوا في موقع من يصنع القرار، لكن إبراز دورهم، أكان في التواصل مع الأطراف المختلفة المعنية بالأزمة السورية أم في وسائل الإعلام، هو رسالة تشدّد توجّهها الولايات المتحدة إلى من يعنيه الأمر. المصدر المذكور يضيف أن الأطراف الذين أقنعوا الرئيس بتعيينهم يعتقدون أنهم قادرون على مخاطبته بلغة يفهمها، بخطاب هجين وفق تعبيره، هو مزيج من أطروحات المحافظين الجدد وأطروحات المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية. هم لا يدعون إلى الحرب، ولكن إلى استخدام أوراق القوة، وبينها القوة العسكرية على نحو موضعي، لتحقيق أهداف سياسية. المشكلة في مقاربتهم، في رأي المصدر، هي أن شدة عدائهم لإيران تحدّ من مساحة التفاوض إلى درجة تصبح معها شبه معدومة، ومن ثم يغدو أي استخدام لأوراق الضغط ما دون الحرب فاقداً للمعنى. فالموقف الأيديولوجي المعادي لإيران يمنع التوصل إلى حلول تفاوضية معها ومع حلفائها الوازنين في سوريا والعراق.
نقطة أخرى مرتبطة بالأولى وشديدة الأهمية، هي تلك المتعلقة باستخدام الحلفاء المحليين للضغط على «العدو الرئيسي»، أي إيران وحلفائها. ففي موضوع المساعي المرتبطة بتشكيل حكومة في العراق، فشلت الإدارة الأميركية حتى الآن في حمل حليفها العضوي، أي الأكراد، على التحالف مع رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي لتشكيل حكومة جديدة في العراق. فالقوى الكردية تدرك معنى وثمن وقوفها مع الولايات المتحدة في لحظة احتدام صراعها مع إيران، وهي تعي أن الأولى راحلة مهما طال الزمن، أما إيران، فباقية في جوارها المباشر. وممّا يضاعف حذر هذه القوى من التجاوب مع المطالب الأميركية هو «خيانة» واشنطن لها السنة الماضية، عندما لم تدعمها خلال مواجهتها مع حكومة بغداد بعد إجرائها الاستفتاء حول حق تقرير المصير لإقليم كردستان. حول هذا الموضوع يرى بيتر غالبريث، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل أيضاً مع المخابرات الأميركية في العراق في تسعينيات القرن الماضي والمدافع عن مطالب أكراد العراق، في مقالة نشرها في دورية «فورين بوليسي»، أن الأكراد بعد تجربتهم المريرة مع واشنطن باتوا أقل استعداداً لتلبية طلباتها كما كانوا يفعلون في السابق، عندما كان اتصال هاتفي لمسؤول أميركي بالقيادة الكردية كفيلاً بدفعها إلى التجاوب مع مطالبه من دون تردد.
لم يثبت حتى الآن أن للولايات المتحدة أوراق قوة تسمح لها بتغيير موازين القوى الميدانية لمصلحتها ولمصلحة حلفائها. ما ثبت حتى اللحظة قدرتها على تنفيذ عمليات استعراضية ليس لها تأثير يذكر في المجرى العام للتطورات الذي يسير باتجاه منسجم مع مصالح أعدائها وخصومها. حقائق عنيدة تثبت على الأرض لا يصمد أمامها لا تغيير بعض الوجوه ولا بعض مفردات الخطاب.