يبدو أن تعقيدات ملف المفاوضات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية تتزايد تباعاً، ربطاً بالصراع الأميركي ــ الصيني، إذ يستخدم الأميركيون ملف كوريا الشمالية، أداة ضغط على بكين، صاحبة الدور الهام في بيونغ يانغ. ومرة أخرى تغيّرت لهجة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه كوريا الشمالية. إذ ألغى الزيارة المقررة لوزير خارجيته مايك بومبيو إليها، بعد أيام قليلة من الإعلان عنها. وأعرب للمرة الأولى منذ قمته التاريخية مع الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، عن «إحباطه لعدم إحراز تقدم في ملف نزع السلاح النووي».

القرار الأميركي تردد صداه في الإعلام الكوري الشمالي. صحيفة «رودونغ سينمون» نشرت مقالاً اتهمت فيه الولايات المتحدة بـ«الازدواجية في التعامل» و«إعداد مؤامرة إجرامية» ضد بيونغ يانغ. وحثّت الصحيفة، الناطقة باسم «حزب العمال» الحاكم، واشنطن على التخلي عن «المقامرة العسكرية عديمة الجدوى»، داعية البيت الأبيض إلى «تنفيذ اتفاق سنغافورة».
وبالعودة إلى اتهام الرئيس الأميركي لبكين أنه «بسبب موقفنا التجاري الأكثر صرامة مع الصين، لا أعتقد أنهم يساعدون في عملية نزع الأسلحة النووية كما كانوا في السابق»، علّقت الصين على التصريحات «غير المسؤولة»، بالقول إن ترامب «يتجاهل الحقائق»، مضيفة على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية، لو كانغ، أنه جرى تقديم احتجاج رسمي إلى الولايات المتحدة، وأن بلاده تبذل «جهوداً دؤوبة للالتزام بقرارات مجلس الأمن».

«حزب العمال»: على واشنطن التخلي عن «المقامرة العسكرية»


التوتر بين الولايات المتحدة والصين في هذا الملف، يحظى بأهمية استثنائية، لكون واشنطن كانت قد اعتمدت على مساعدة الصين في فرض نظام العقوبات الأكثر قسوة على بيونغ يانغ في العام 2017، لكون الصين هي أكبر شريك تجاري لكوريا الشمالية، وتمتلك حدوداً مشتركة معها. غير أن الأسابيع الأخيرة شهدت مؤشرات على أن فاعلية العقوبات (المشتركة) بدأت تضعف. فالصين وروسيا عرقلتا طلباً قدّمته واشنطن لإضافة مصرف روسي وأحد الأشخاص وكيانين كوريين شماليين، إلى «اللائحة السوداء» للعقوبات التابعة للأمم المتحدة، ورفضتا سابقاً، البتّ في طلب أميركي بوقف الشحنات النفطية إلى كوريا الشمالية. كما دعت موسكو وبكين، مجلس الأمن إلى النظر في تخفيف العقوبات لمكافأة كوريا الشمالية على فتحها حواراً مع الولايات المتحدة ووقفها التجارب الصاروخية.
في هذا السياق، أفادت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية في تقريرٍ لها، بأن ترامب ألمح للجانب الصيني أن «المساعدة في حل النزاعات التجارية أكثر قيمة من إضعاف العقوبات على كوريا الشمالية»، وهو عكس التوجه الحالي المعلن للصين. أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فقد عقد رئيسها مون جاي إن، اجتماعاً للمجلس الوطني للأمن أمس، وذلك لمناقشة إلغاء رحلة بومبيو. وقال ناطق باسم «البيت الأزرق» في سيول، إن «رحلة مون المقررة إلى بيونغ يانغ في أيلول المقبل، باتت تحمل أهمية إضافية»، مضيفاً أن «الظروف تظهر أن مون يلعب دوراً أكبر كميسّر ووسيط يفصل الجمود بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة ويوسع نطاق التفاهم المتبادل».
وفي تقرير آخر لـ«بلومبرغ»، رأت أن إلغاء زيارة الدبلوماسيين الأميركيين إلى كوريا الشمالية بعد يوم من الإعلان عنها، «عكس شعوراً بالانحراف في استراتيجية الإدارة». ونقلت الوكالة عن المحلل السابق في وكالة «الاستخبارات المركزية الأميركية»، بروس كلينغر، قوله إن هذا القرار «يعكس التنسيق الضعيف لسياسة الإدارة في كوريا الشمالية»، مضيفاً أن «الطريق الدبلوماسي إلى الأمام هو أطول وأبطأ بكثير مما وصفه الرئيس ترامب في الأصل».