لا يكتفي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالقرارات التي يصدرها لتشديد الحصار على إيران. ولا يقتصر دوره على متابعة العمل الحثيث لوزارتَي الخزانة والخارجية في التحريض ضد طهران لدى الدول الآسيوية والغربية، بل يتدخل شخصياً لتأمين كل ما يلزم لخطة معاقبة الجمهورية الإسلامية، والتي وصفها أخيراً بأنها «أقوى عقوبات في التاريخ». وفضلاً عن البلطجة الأميركية التي تلوّح بفرض عقوبات على الدول المستوردة للنفط الإيراني، ضرب ترامب عرض الحائط بمنظمة «أوبك» وقراراتها، في طلبه من الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، رفع إنتاج النفط تعويضاً عن إمدادات النفط الإيرانية التي يريد قطعها بفعل إجراءات الحظر، وذلك بعد أيام فقط من إقرار «أوبك» اتفاقاً جديداً ينصّ على رفع الإنتاج إلى مستويات يبدو أنها لا تعجب الرئيس الأميركي. بيان البيت الأبيض حول اتصال ترامب والملك سلمان أشار إلى إبداء الرياض استعدادها وتأكيد قدرتها على إنتاج مليونَي برميل إضافي يومياً، وهي إشارة خلا منها خبر وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

عدم خروج تأكيد رسمي سعودي حول كيفية الاستجابة لطلب ترامب، يعزز تشكيك محللين اقتصاديين في قدرة السعودية على رفع الإنتاج بهذا الحجم، وتعويض الأسواق بمستوى يمنع ارتفاع الأسعار، فضلاً عن كون خطوة مماثلة تُعدّ انقلاباً يتهدد مصير «أوبك»، وهو ما يصعب أن تغامر به السعودية بهذه البساطة. وبغض النظر عن الحماسة السعودية للمعركة السياسية مع إيران، والتقاء الرياض مع واشنطن عند أقصى مستويات هذا الهدف، يشكك كثيرون في كيفية ترجمة «حرب النفط» التي يقودها ترامب من قِبَل الجانب السعودي. طهران، بدورها، حذرت من أن أي خطوة مماثلة ستمثّل نقضاً لاتفاق «أوبك»، وتسييساً للمنظمة، وبالتالي تقويضاً لوحدتها واستقلالها. وشدد وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنة، في رسالة بعثها إلى الرئيس الدوري لـ«أوبك»، نظيره الإماراتي سهيل المزروعي، على التزام جميع الدول بما تم الاتفاق عليه، داعياً المزروعي إلى «حمایة المبادئ الطویلة الأمد، ووحدة ومصالح أوبك في هذه البرهة التاریخیة».
وردّ النائب الأول للرئيس الإيراني، إسحاق جهانغيري، على إعلان الولايات المتحدة سعيها لمنع إيران من بيع النفط إلى دول العالم، مطمئِناً إلى أن بلاده ستكون قادرة على بيع النفط «قدر ما نحتاج». وأعلن جهانغيري وجود «خطة» للمواجهة لدى حكومة الرئيس حسن روحاني، مضيفاً «(أننا) سنفعل بالتأكيد شيئاً لإفشال شعار الولايات المتحدة القائل بوجوب قطع نفط إيران». وعلق جهانغيري على اتصال ترامب بالملك السعودي بالقول: «الآن يناشدون السعوديين زيادة (إنتاجهم) من النفط حتى لا يحدث شيء في السوق العالمية إذا تراجع نصيب إيران فيها. إنهم يعتقدون أن الأمر سهل، وأن السعودية ستتمكن فجأة من رفع صادراتها بعدة ملايين من البراميل». وهدد المسؤول الإيراني من يحاول مجاراة المشروع الأميركي ضد بلاده قائلاً: «في هذه المعركة، كل بلد يسعى للحلول محل إيران في السوق النفطية سيرتكب خيانة عظمى بحق الشعب الإيراني... وسيدفع بالتأكيد ثمن تلك الخيانة». وتحدث جهانغيري عن جانب من الخطة العملية للمواجهة الإيرانية، كاشفاً عن أن الحكومة ستسمح للشركات الخاصة بتصدير النفط الخام، وأن «الخام الإيراني سيُعرض في البورصة والقطاع الخاص يستطيع تصديره».
وعلى صعيد أشمل، لا تزال القيادة السياسية في إيران تعيش حالة «طوارئ» إعداداً للمواجهة الاقتصادية التي يحتّمها اقتراب دخول الإجراءات الأميركية حيّز التنفيذ. وهو ما بلغ ذروته، أول من أمس، مع اجتماع للجنة العليا للتنسيق الاقتصادي حضره رؤساء السلطات الثلاث. واستعرض الاجتماع إجراءات الحكومة وسبل مواجهة آثار الحظر الأميركي، ومشروع بلوغ الاكتفاء الذاتي، وحماية التعاون المصرفي.