بلا لبس، وبكامل الأدوات والسبل المتاحة، أعلن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الحصار الكامل على سوريا. فبالإضافة إلى الضغوط التي تمارسها واشنطن على دول العالم، ولا سيما الدول العربية، لمنع إعادة العلاقات مع سوريا، وإعاقة انخراطها في الدورة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، قفز أمس إلى الحلبة لاعب آخر، هو بريطانيا، بإجراءات عملية مفاجئة تمثلت في توقيف واحتجاز ناقلة نفط إيرانية كانت متجهة نحو سوريا قبالة منطقة جبل طارق. إجراءات ترافقت مع تصريحات بريطانية رسمية عالية السقف، بدت بمثابة إعلان صريح عن انخراط لندن جدّياً وعملياً في حصار دمشق.

فصل آخر من فصول حصار سوريا، افتتحته في الساعات الأولى من صباح أمس البحرية الملكية البريطانية، بالتعاون مع سلطات جبل طارق التابعة للمملكة المتحدة، وبتوجيه من واشنطن بحسب وزير الخارجية الإسباني، حيث تم توقيف واحتجاز ناقلة نفط عملاقة تحمل كميات كبيرة من النفط الخام، أو من أحد مشتقاته، كانت متوجهة إلى مصفاة بانياس في السواحل السورية. الناقلة العملاقة، التي تحمل اسم «غريس 1»، كانت ترفع علم بنما، وهي مملوكة لشركة «Grace Tankers Ltd» التي تتخذ من سنغافورة مركزاً لها. وفي البداية، قيل إن الخبراء خلصوا إلى أن «غريس 1» تحمل النفط من إيران؛ لأنها لم تكن ترسل معلومات جغرافية أثناء وجودها في المياه الإيرانية (أسلوب يُعتمد في التخفي عن الرادارات)، ولكن في الساعات اللاحقة تم تأكيد الأمر، إذ استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير البريطاني لدى طهران، روب ماكير، للاحتجاج على احتجاز حكومة جبل طارق التابعة لبريطانيا، «ناقلة نفط إيرانية»، بشكل غير قانوني.
وقد تم اعتراض الناقلة العملاقة، القادرة على شحن مليونَي برميل من النفط الخام، من قِبَل مفرزة من مشاة البحرية الملكية وشرطة جبل طارق، هبطت مجموعة منهم على الناقلة من طائرة مروحية، فيما صعد آخرون إليها من قارب سريع في الساعات الأولى من صباح الخميس. والآن، ترسو السفينة بالقرب من جبل طارق، الذي يعتبر إقليماً بريطانياً في الخارج على الطرف الجنوبي لإسبانيا التي لا تعترف به، ويطلّ على المضيق بين البحر الأبيض المتوسط ​والمحيط الأطلسي. وعلى الرغم من أن بيان سلطات جبل طارق لم يذكر من أين جاءت حمولة الناقلة، إلا أن بيانات تتبّع السفن اتفقت بأغلبها على أن الناقلة حُمّلت من محطة نفط جزيرة خارج (خارک) الإيرانية، والتي تقع في شمالي شرق الخليج الفارسي قبالة مدينة بوشهر، وذلك في منتصف نيسان/ أبريل الفائت. وبحسب رواية نشرتها صحيفة «بلومبرغ»، فقد بدأت الناقلة، بعد عدة أسابيع من تحميلها، رحلة حول أسفل القارة الإفريقية، مروراً بمياه جنوب إفريقيا أوائل حزيران/ يونيو، وذلك طبعاً بدلاً من السير في الطريق المباشر إلى المتوسط عبر قناة السويس.

أشارت بيانات تتبع السفن إلى أن حمولة الناقلة إيرانية


ويعزو خبراء الملاحة والنقل البحري عدم عبور الناقلة في قناة السويس المصرية، إلى كونها ثقيلة جدّاً إلى حدّ لا يسمح لها بالعبور في قناة ليس عمق المياه فيها بالمستوى الملائم لذلك الثقل، إلا في حالة واحدة وهي أن تفرغ نصف حمولتها (مليون برميل) عبر خط أنابيب «السويس ــــ البحر المتوسط» (سو ــــ ميد)، وإعادة تسلّمه مرة أخرى في البحر المتوسط. ولكن ما منع الإيرانيين من هذا التوجه، هو قرارٌ مصري اتُخذ عام 2012 بضغط سعودي، يمنع استقبال الخام الإيراني في الأنبوب، وقد لوّحت الرياض آنذاك بمعاقبة الشركة الملتزمة للأنبوب ومقاطعتها، في حال استقبال النفط الإيراني، وذلك في سياق الحرب النفطية التي تشنها المملكة على إيران منذ سنوات طويلة، إذ وصل الأمر بها الى تهديد الشركات التي تؤجّر حاملات النفط ــــ لأي كان ــــ بحرمانها من عقود نقل النفط الخليجي كله، إذا قامت بنقل النفط الإيراني. في النهاية، أبحرت السفينة بسرعة بطيئة إلى حدّ ما حول جنوب القارة الإفريقية، متجهة نحو مضيق جبل طارق. وقد استغرقت الرحلة ــــ حتى توقيفها ــــ شهرين ونصف شهر، أي شهراً واحداً زيادة عن المعتاد. وتبلغ المسافة من إيران إلى سوريا في جولة حول إفريقيا حوالى 23300 كلم، بينما كان يمكن أن تكون 6600 كلم فقط عبر البحر الأحمر وقناة السويس، التي سبق أن منعت سفن نفط إيرانية من العبور فيها نحو سوريا، في شباط/ فبراير من العام الحالي، عندما كانت سوريا تعاني أزمة نقص حادٍّ في المحروقات، عُوّض جزء كبير منه عبر نقل كميات كبيرة من المحروقات من لبنان.
لا تخرج حادثة توقيف الناقلة الإيرانية العملاقة عن سياق السعي الغربي المحموم لحصار سوريا وخنقها. وما يرسّخ هذا الاعتقاد هو «المباركة» البريطانية العلنية لما وصفتها لندن بـ«الإجراءات الحازمة» التي اتخذتها حكومة جبل طارق تجاه الناقلة الإيرانية، فضلاً عن اتهام إسبانيا الرسمي للولايات المتحدة بالمسؤولية عن الطلب من لندن توقيف الناقلة. واللافت أنها المرة الأولى التي تقوم فيها دولة في الاتحاد الأوروبي بإيقاف ناقلة نفط إيرانية في مياه بطريقة علنية كهذه، حتى خلال فترة فرضه العقوبات على سوريا بدءاً من عام 2011، ما يُترجم تصعيداً أوروبياً مقصوداً في الوقت الحالي، في وجه إيران وسوريا على حدّ سواء، وانسجاماً كاملاً مع سياسة الحصار التي تمارسها واشنطن تجاه سوريا. ولعلّ «السعادة» التي عبّر عنها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، في مؤتمر «هرتسيليا» الأمني في تل أبيب منذ يومين، لكون «أوروبا انضمّت إلى واشنطن في فرض عقوبات على نظام الأسد»، تختصر موقف أمس، وتبرّر السلوك العملي الجديد لأوروبا في وجه سوريا.