معزوفة حكومية جديدة، حول مكافحة الفساد، تلقّفها السوريون بالمزيد من السخرية، بمجرد ورود أخبار الجلسة الأسبوعية الأخيرة لمجلس الوزراء. يأتي عنوان الاجتماع الحكومي بالتزامن مع فضائح الفساد التي تنهش الجسد السوري وتتناقلها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بجرأة نادرة. أسماء كبيرة لم يجرؤ السوريون على تناولها في مجالسهم الضيقة، باتت عناوين منشورات مطوّلة، عن قضايا اختلاس ونصب وتحايل ومخالفات قانونية. صفحات تنقل فضائح مسؤولين، تقابلها صفحات مضادة تفتتح على عجل لفضح مسؤولين آخرين، وبالوقائع والوثائق أحياناً. وكلّه تحت أنظار «العين الساهرة» الرقيبة لـ«الأجهزة المختصة»، ما يجعل الكثير من هذه الصفحات ومن يقف وراءها مكشوفين لدى جهات معيّنة. بل إن وجود مثل هذه الصفحات وانتشار فضائحها بسرعة انتشار النار في الهشيم، ليسا إلا تجسيداً فاقعاً لحملات اقتتال المسؤولين في ما بينهم، ومحاولاتهم التشهير بعضهم ببعض، عبر دعمهم مصادر منبر ضد آخر. يأتي ذلك في وقت يتحمّس فيه الجمهور لمتابعة آخر مستجدات حروب الأسماء الكبيرة ذات المناصب والسلطات والقوة الاقتصادية. ومثال ذلك تعليق إحدى الصفحات على خبر استقالة رئيس غرفة تجارة طرطوس مضر يونس، قبل أكثر من شهر، بنشر معلومات عن الضغط على يونس لتقديم استقالته، على خلفية القبض على سائقه متورطاً بنقل شحنة مخدّرات مهرّبة، عبر ميناء طرطوس، بنيّة التوجه إلى لبنان ثم السعودية. وتورد الصفحة ذاتها أسماء 7 شخصيات معروفة أُخرى متورطة في العملية. ومع تناقل معلومات عن الحجز على أموال هؤلاء وشائعات عن سفر يونس خارج البلاد، فقد علمت «الأخبار» أنه «موجود في منزله في قرية الربيعة الحموية»، حتى اللحظة، بعد استقالته من منصبه لأسباب خاصة، وفق ما جاء في طلب الاستقالة. وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، عبد الله الغربي، وافق على استقالة يونس، وأصدر قراراً بتكليف يوسف شعار بديلاً له في رئاسة مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة طرطوس، إلى حين تسمية رئيس جديد وفق قانون الغرف التجارية. وكان يونس قد خلف رئيس غرفة التجارة الأسبق وهيب مرعي، الذي توفي العام الفائت، وجرى انتخاب ابنه نائباً لرئيس مجلس إدارة الغرفة الحالي. وفي خلفية التعريف عن يونس، فإن عمله في مجال تجارة الأدوية، إذ يشغل منصب المدير العام لـ«المجموعة العربية للتسويق الدوائي»، وهي وكيلة شركات أدوية سورية وأجنبية عدة، من بينها: «ألفا» و«المتوسط» و«نوفارتس» السويسرية، إضافة إلى شركة «نستله» بقطاعيها الطبي والغذائي.

قضية المخدرات المهرّبة ليست حكاية غريبة أو فريدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تزامنت مع نشر الصحف الرسمية خبر الحجز الاحتياطي على أموال وأملاك المدير العام للاتصالات بكر بكر، إضافة إلى 9 من كبار موظفي المؤسسة، وذلك على خلفية اتهامات بعقد توريد قيمته 100 مليار ليرة، أي بما يفوق ميزانية المؤسسة. غير أن تقديم بكر استقالته من منصبه لم يكن نهاية القضية، بل تفاجأ السوريون باستحداث منصب جديد خصيصاً من أجل بكر، ليتسلّمه عقب استقالته، وهو مستشار مجلس إدارة الشركة السورية للاتصالات. وعلى اعتبارات تتعلق بحجب أخبار كهذه عن المواطنين، فإن إعفاءات بالجملة تحصل كل يوم من غير إيضاحات حول خلفياتها، إلا ما تتناقله صفحات الفساد «الفايسبوكية».
أما الحكومة السورية، فقد شددت أخيراً، في أحدث اجتماعاتها، على «ضرورة» مكافحة الفساد، كما لو أنه مشكلة طارئة لا مأساة تعشّش في قطاعات الدولة. وكما لو أنها منزّهة عن الاتهامات، فهي تعلن بـ«بطولة» أن «لا أحد فوق القانون»، بما يوحي باستعدادها لمتطلبات «مرحلة إعادة الإعمار والتنمية الشاملة»، مع حزمة من «الإجراءات التنفيذية» للقضاء على الوحش المخيّم على جميع المفاصل الحكومية والخاصة، ووعود بأن «لا تراخي أو تأجيل أو تجاهل» بعد الآن. ماذا جرى؟ وما سرّ الصحوة الحكومية المفاجئة؟ لعلّها مرحلة جديدة يشهدها أبناء البلاد، عنوانها ليس من تأليف الحكومة، أن «لا أحد فوق القانون»، بل غالباً من تأليف الأقطاب المتقاسمين كل هذا الخراب، والذين لن تأتي معاركهم الافتراضية إلا بالمزيد من الفساد.