دمشق | يؤمّ الدمشقيون منطقة باب شرقي أفواجاً، بعدما ولّى زمن القذائف، إثر خروج حيّ جوبر المجاور من خريطة التمرد المسلح الذي استنزف البلاد طوال الأعوام السابقة. تنفّس أهالي المنطقة، قليلاً، نسائم الحياة الجديدة، فيما عادت أسواق حيّهم لاستقطاب سكان العاصمة، وكذلك حاناتها. قد يذكّر المكان المارين فيه بأسواق جبيل اللبنانية حيث يتداخل صخب الشبان الساهرين وموسيقاهم وكؤوس يحملونها بين الطاولات مع الحجر القديم الشاهد على تعاقب الأجيال. غير أن تداخل الحانات مع البيوت السكنية يجعل الوضع أكثر شبهاً بحيّ الجميزة البيروتي، في ظل اعتراض سكان الحيّ على الإزعاج والفوضى التي يسببها الساهرون وأصحاب محالّ السهر.

عبور القوس الشرقي التاريخي يشي بلحظات خاصة تجتاح النفس. يخيّم التاريخ على كل حجر في الحيّ. الكنائس العتيقة المتكاتفة تُعَدّ محجّ مسيحيي العالم، مذكّرة بأيام بولس الرسول، الذي مضى من بيت حنانيا (كنيسة حنانيا)، حاملاً معه المسيحية إلى أوروبا. طريق عبور القديس بولس هبط بفعل الزلازل التي ضربت دمشق، إلى عمق 5 إلى 10 أمتار، تحت الطريق الحالي، فيما يبلغ طول الشارع المستقيم 1670 متراً مع أرصفة ضيّقة غالباً ما تتسع في بعض أجزائها لمرور شخص واحد. الطريق الممتد من باب الجابية غرب المدينة القديمة إلى بابها الشرقي، يقسم أحياء السور العتيق إلى نصفين، أحدهما شارع باب شرقي، والثاني سوق مدحت باشا. يلتقي الشارعان التاريخيان في نقطة يجلّها أهالي دمشق، وهي قوس النصر. يقال إن هذه النقطة هي نواة أقدم عواصم الأرض، منذ آلاف السنين. تتناثر محال «الأنتيك» على جانبي الطريق من قوس باب شرقي وحتى قوس النصر، إذ لطالما كان هذا الشارع جاذباً للسياح. وهو الذي شهد قوة شرائية كبرى، وصناعة منتجات خشبية مطعّمة بالموزاييك وأنواع متعددة من الشرقيات، أضحى خلال الحرب القائمة على مقربة منه شارع أشباح. شيئاً فشيئاً انحسرت المحال التجارية، وتوقفت البضائع عن الورود إلى السوق بفعل توقف السياحة وتأشيرات دخول الأجانب إلى البلاد، وعزوف أبناء البلدان جميعاً عن زيارة دمشق حيث البلاد المصنفة من أخطر بقاع العالم. ومع تناقص أعداد محال الشرقيات والأنتيكا، بدأت تتسلل إلى المكان ظاهرة إشغالات الرصيف لحانات تفتتح على عجل.

استعضنا عن السهر هُنا بحانات وسط المدينة، غير أن للسهر في الشام القديمة سحراً خاصاً


عشرات «البارات»، والكثير منها غير مرخص، تناثرت على طول الشارع المستقيم، في قسمه الشرقي الذي عانى ما عاناه جراء قذائف الجوار. زوار المنطقة قد لا يشعرون بمعاناة سكانها. ضجيج وصخب وازدحام مروري في منطقة أثرية، بعض بيوتها متداعية. لا مكان لركن السيارات، إذ إن المكان يغصّ بسيارات الزوار من رواد السهر.
القمامة في الشوارع عائدة إلى الازدحام المربك الذي يشهده الحيّ، وإلى تقصير البلدية أيضاً. إشغال الأرصفة يحرم المارة السير عليها. ومع الموسيقى المزعجة تتواصل السهرات الصاخبة حتى الثالثة فجراً، حسب قول فادي، أحد سكان المنطقة. يروي الرجل الأربعيني مشاهد مستفزة عن خروج السكارى فجراً، سيراً على الأقدام في الحارات والحدائق. يعلّق: «ليلة الخميس مأساوية للغاية. يصارع الناس للحصول على كرسي، وتبدأ واسطات الحجز». ويضيف: «لعلّ هذه الظواهر مقصودة، كمؤشر (حضاري) للانفتاح، في مواجهة جيراننا من دعاة التطرف، الذين هُزموا في الأمس القريب!». وإذ تُعَدّ ليلة الخميس متنفساً للدمشقيين ممن لم يتوقفوا عن الاهتمام بمزاجهم والترويح عن أنفسهم خلال الحرب، فإن العودة إلى حانات باب شرقي شكّلت فرحاً إضافياً يؤذن بانتهاء حرب البلاد كلها. ومع ازدياد الازدحام أخيراً، افتتح بعض أصحاب البارات فروعاً أُخرى بهدف استيعاب أكبر عدد من رواد السهر. يوضح حسان، أحد سكان حيّ المالكي، أن فرحته لا توصف بالعودة إلى السهر في باب توما وباب شرقي، كما لو أن كل ما مضى لم يتعدَّ كونه كابوساً. ويضيف: «استعضنا عن السهر هُنا بحانات وسط المدينة، غير أن للسهر في الشام القديمة سحراً خاصاً. نشوة السير آخر الليل في أزقتها هي أكثر ما افتقدناه في سهراتنا. عراقة أماكن السهر تسمح بوجود أجواء خالية من الابتذال في بعض المطاعم والحانات». وجهة نظر لا تسعد سكان المنطقة بأية حال. فقبل 3 سنوات نفذ أهالي باب شرقي اعتصاماً في حارة الزيتون، قرب كنيسة الزيتون الشهيرة، بحضور أحد رجال الدين. غير أن ذلك كان بلا جدوى، إذ لا مجال للشكوى ومنع «أبناء الحياة» من ممارسة صخبهم. يقول أحد المشاركين في الاعتصام القديم: «أشعلنا شموعنا ووقفنا احتجاجاً. وما حدا قامنا من أرضنا». وفيما يستحيل تاريخ باب شرقي إلى سمَر و«بزنس» في عيون الجيل الجديد، يقف المهندس رامي، على باب معرض الشرقيات الخاص بوالده، متفرجاً على وافدي الحيّ القديم كل ليلة. «من قال إن أجواء الحضارة تتمثل في هذه المظاهر؟ ومن يرَ أننا نطالب بقمع مظاهر التحرر، فليحاسبنا. لكن لا بد من استئذان الجيران قبل فتح بار جديد، وضبط إشغالات الأرصفة، واهتمام خدمي خاص من البلدية». ويتابع: «جميعنا نقصد أماكن السهر أحياناً. ولكن هل من سبيل إلى رحمة المدينة القديمة من فوضانا؟ وهل تستوعب شبكات الصرف الصحي هذه الحشود الغفيرة المقبلة على السهر فيها؟». أسئلة كثيرة برسم المعنيين ومن يختصرون أحد أهم أبواب دمشق السبعة بمحلات السهر والمراقص، يطرحها الأهالي بلا إجابات.