بعد كل التفاصيل المؤلمة التي يرويها المخطوف عن سنوات الأسر، فهو يختم حديثه بعبارة «غير قادر على وصف تلك المعاناة»، إذ من الصعب أن تصف شعورك عند موت أخيك الذي استُعمل كدرع بشرية، وها أنت على قائمة الانتظار لمتابعة مهمته. وكيف لأمّ أن تشرح ألمها عندما يبكي أولادها جوعاً وليس لديها ما يسدُّ أفواههم الصغيرة، أو ما الذي سيقوله أحد ما عن شهادته بموت صديقه تحت التعذيب. وحتى عندما يريد المخطوف المحرّر الحديث عن شعوره عند تنفس هواء الحرية بعد سنوات من الأسر، تضيع منه الكلمات، فلا توصيف قادر على إيصال الأحاسيس التي عاشها في أجمل لحظات حياته، لحظات كان يظنُّ أنها لن تأتي أبداً.


تجويع وخياطة
لم تنم عبير عدنان العلي (مواليد ريف حمص 1975)، بعد خروجها من الأسر لأكثر من 24 ساعة متواصلة، خوفاً من أن تستيقظ وتجد أن ما حدث مجرد حلم. فهي على مدار السنوات الأربع والنصف الماضية، كانت كثيراً ما تحلم بأنها خرجت من «سجن التوبة»، وها هي تقصّ على من حولها ما حدث معها، ولكنها تعود لتستيقظ وتجد نفسها ما زالت أسيرة في الأقبية في انتظار حلم جديد. مصمّمة الأزياء التي اختُطفت مع أولادها الاثنين في تاريخ لا تنساه أبداً (13/12/2013)، علمت بعد فترة أن زوجها لم يخرج من عدرا العمالية حيّاً، فقد قتلته المجموعات المسلحة أمام منزله يوم وقعت حادثة الخطف، أما ولداها، فقد خرجا قبل عامين، بمفاوضات بين الحكومة والفصائل.
قضت عبير ومن معها من نساءٍ أسيرات، بالإضافة إلى الأطفال الأربعة الذين لم يخرجوا في المفاوضات، نحو شهر ونصف شهر تقريباً، في الفترة التي سبقت خروجهن، من دون أن يرين أشعّة الشمس، حيث نُقلن بعد بدء حملة الجيش السوري على الغوطة إلى أقبية أبنية سكنية في وسط دوما، وازدادت الفترة الفاصلة بين وجبات الطعام لتصل إلى أكثر من 30 ساعة أحياناً، وانخفضت كمية وجبة الطعام التي كانت قليلة بالأساس، حيث كان يخصَّص لكل شخص وجبة واحدة في اليوم تتكون من نحو 400 غرام من الأرز المطبوخ وملعقتين من «المربّى» أو الزعتر. ومن أصعب لحظات حياتها، جوع طفليها اللذين كانا يبلغان من العمر عاماً ونصف عام، و3 أعوام، عند بداية الأسر، وتقول: «كان أولادي يبكون جوعاً، ولم أكن قادرة على فعل أي شيء»، إلا أنها بعد أن بدأت العمل في الخياطة هناك، أصبحت تحصل على القليل من الدعم في مخصّصات طعامها، تسدُّ فيها جوع طفليها. إذ كانت عبير تخيّط البدلات العسكرية والجعب لجنود «جيش الإسلام»، ثم استثمروا مهاراتها بخياطة الملابس بأنواعها لأولادهم ونسائهم هناك، وكانت تجمع بقايا الأقمشة لتخيّط قطع ملابس بسيطة للأسيرات والأسرى في مختلف المهاجع.

من الصعب أن تصف شعورك عند موت أخيك الذي استُعمل كدرع بشرية(أ ف ب )

تجربة الأقفاص المميتة
لم يكن التعذيب الجسدي كبيراً مقارنة بالتعذيب النفسي الذي تعرضت له عبير مع زميلاتها في الأسر، إلا أن بعض النساء كنّ يتعرضن للجلد على أيدي المسلحين لعدة أسباب، منها التلفظ بكلام مسيء، أو رفع الصوت أمام الرجال، فكانت إحدى تعليمات المهجع ألّا يصل صوت النساء إلى أيّ رجل ما بعد الحرس. وتتذكر عبير اليوم الذي وُضعت فيه مع عدد من الأسرى في الأقفاص كدروع بشرية، وتقول: «بأمر من المقتول زهران علوش، وُضع أسرى في أربعة أقفاص دارت أسواق دوما على مدى 5 أيام، وكان يتبعنا كل من في دوما من رجال وأطفال، يرشقوننا بالحجارة والشتائم البذيئة والأدعية الحاقدة». يوم واحد فقط، عاشته عبير في الأقفاص المميتة، وفي اليوم التالي، أعادوها إلى العمل في خياطة ما يستر أجسادهم.

إحباط قبل الولادة الجديدة
نجا فادي قدور (مواليد سليمة 1977) بأعجوبة من الموت، بعد أن كان على مدى سنوات الأسر الطويلة (4 سنوات و5 أشهر) درعاً بشرية تُستخدَم لسحب الجثث والأسلحة ودخول أماكن الألغام وتفخيخ الأنفاق، وخاصةً بعد أن استشهد في هذه الأعمال أخوه مع عدد من رفاقهم، بالإضافة إلى عمله في السخرة (حفر - تدشيم - سرقة - عتالة). فادي ومن معه من الرجال والشباب الأسرى، حفروا بأيديهم النفق الذي نقلهم به المسلحون من عدرا العمالية إلى عدرا البلد، بعد مضيّ نحو 6 أشهر على اختطافهم. عندها جرى تقاسم الأسرى بين الفصائل المسلحة (وهي الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام - جيش الإسلام - جبهة النصرة - حركة أحرار الشام)، فكان فادي ومعه عدد من الأسرى الذكور، من حصة «الاتحاد الإسلامي»، واقتيدوا معصوبي العيون إلى مدينة عربين. وخلال سنوات الأسر، تنقّلوا بين سجون عدة (عربين - دوما - مسرابا - عين ترما - زملكا)، ليكون المقر الأخير لهم قبل الخروج إلى الحرية في سجن الـ«44» في زملكا، وكان عددهم 36 أسيراً (15 من أسرى «العمالية» و21 من برزة)، ليخرجوا على دفعات. وعن الأيام الأخيرة ما قبل الخروج، يقول: «بعد خروج الدفعة الأولى من الأسرى من طائفة محددة، أُحبطنا، وتوقّعت أن تجري تصفيتنا جمعياً، وخصوصاً مع التوتر والضياع الذي سيطر على أفراد الجماعات الإرهابية، مع اشتداد الحملة العسكرية على الغوطة، إلا أنه بعد أيام طُلب منا تجهيز أنفسنا للخروج... لم نصدّق أن عملية التحرير تمّت، إلا بعد أن رأيت حاجز الجيش العربي السوري عند معبر مخيم الوافدين بأمُّ عيني، وشعرت وكأنني ولدت من جديد».
خرج فادي بتاريخ 26 آذار الفائت، بوزن أقلَّ مما كان عليه قبل الأسر بنحو 40 كيلوغراماً، ويعاني من «المياه البيضاء» في العين، بالإضافة إلى نقص حادّ في الفيتامينات والأملاح، وانخفاض خضاب الدم. وعند وصوله إلى قريته، استقبله موكب من أهالي المنطقة بفرحة النصر، والتقى أخيراً بزوجته وأولاده الذين اختطفوا معه وخرجوا قبله بعامين تقريباً، في إحدى جولات المفاوضات. حقّق فادي كل ما حلم به، ووصل إلى كل ما أراده، إلا الوصول إلى جثمان أخيه الذي تُرك في أحد الأنفاق بعد أن انفجر به.

لم يكن التعذيب الجسدي كبيراً مقارنة بالتعذيب النفسي(أ ف ب )

إلى الحرية على دفعات
كان محمد رحمة (مواليد مصياف 1984)، واحداً من أفراد العائلة السبع الذين اختطفوا من البيت ذاته من عدرا العمالية، وتحرّروا على دفعات، إذ خرجت عمّته صيف عام 2014، وتوفّيت بعد شهرين بسبب المرض. أما والدته أميرة جناد، فقد خرجت في تموز 2016، وزوجة أخيه ربى سلامة في آب 2016، وبعدهما والده علي رحمة الذي تحرر في 4 نيسان الفائت، ليبقى مع أختيه (ريم وديمة) في الأسر ويخرجوا معاً قبل ثلاثة أيام في الحافلة التي خرجت من دوما. بعد سنوات من عمل محمد سخرةً في حفر الأنفاق وسحب الجثث، خيَّره مسلّحو «جيش الإسلام»، بين متابعة العمل أو تدريس أولادهم، على اعتباره يحمل شهادة معهد علوم، فكان في الأشهر السبعة الأخيرة قبل خروجه إلى الحرية مدرّساً لعدد من أولاد قادة الفصائل المسلحة،الذين كانوا يستعدون لما وعدتهم به الحكومة التركية بتدريس أولادهم في جامعاتها. ويقول: «أهالي بعض الطلاب حاولوا إقناعي بالانضمام إليهم بصفة مدرس، ومنحي راتباً بالدولار، بالإضافة إلى تزويجي في دوما، فتهرّبت وادّعيت أنني أخاف على أهلي الموجودين في دمشق من (بطش النظام)».
كان يسمح للأسرى بزيارة أهلهم من النساء في مهاجعهن، كل عدّة أشهر حسب مزاج الحرّاس، ويقول محمد: «في إحدى المرّات بقينا 8 أشهر من دون زيارة كعقوبة لنا، وذلك بعدما وجدوا معنا أوراقاً كنّا نتبادلها لتدوين أسماء جميع الأسرى ومحاولة إيصالها إلى خارج دوما». يذكر محمد حادثة حصلت هناك، فيروي أنه عندما استُهدف مقر زهران علوش، اتُّهم أحد الأسرى بتسريب معلومات عن إحداثيات مكانه، فقضى شهيداً تحت التعذيب. حاولت المجموعات الإرهابية إيصال فكرة للأسرى، أن الدولة لا تسأل عنهم، وأنها عدّتهم بين الشهداء، ولا تقبل التفاوض ولا تريد أن تبادل عليهم، إلا أن محمد ورفاقه لم يقتنعوا بهذا الكلام، مهما وصل بهم الأمر من الإحباط، وكانت السعادة تغمرهم عند سماع صوت الطيران، حتى لو كانوا في مرمى الهدف، ويقول: «أن نموت برصاص الجيش السوري أهوَن بكثير من البقاء في أيدي هؤلاء المجرمين».
أخيراً، اكتمل خروج جميع المختطفين من مدينة دوما، إلا أن الفرحة لم تكتمل عند بعض الأهالي الذين كانوا طوال السنوات الماضية يقتاتون على بصيص أمل بعودة أبنائهم أحياءً يوماً ما. البعض منهم لا يريده حياً، بل يطالب بالجثمان فقط، علّ ألم الفراق يستكين قليلاً بوضع حفنة تراب فوق جثمان شهيدهم.