لم يحبّ جدّي يوماً جمال عبد الناصر. الرئيس العربي صاحب الطموح الإقليمي «الشاهق»، الذي حظي بأكبر شعبية، ولم يستطع جدّي أن يحبّه. رغم ذلك تتسع عيناه العسليتان عندما يتذكر زعيم الأمة العربيّة من دون منازع. جدي مواليد الثلاثينيات، ما يعني أنه عاش حرب 1958 بحماس و«قلق مسيحي» وتمسّك بموقف رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون. يرفض تسمية «ثورة 1958».


برأيه ما حصل كان «تمرداً إسلامياً مسلحاً». أحياناً، يبدو وكأنه ما زال مقيماً في تلك الحقبة ومتأثراً بأدبياتها. ويستفيض دائماً ويشرح أن «المتمردين» حصلوا على السلاح من الجمهورية العربية المتحدة بقيادة عبد الناصر وكانت تضم مصر وسوريا، ما دفع كميل شمعون يومها، لتقديم شكوى لمجلس أمن الأمم المتحدة. بالنسبة الى جدي، عبد الناصر لم يكن زعيماً عربياً في مصر فقط، بل كان زعيماً في لبنان أيضاً، فقد أحبّه المسلمون السنّة بشغف، لكن هذا الحب لم يكف الرئيس المصري، بل وفقاً لجدي «الخائف» آنذاك، كانت رؤيته أبعد من ذلك: «أراد ابتلاع الجوار، صنع عداوات بقدر التحالفات، وكان أوّل من ركّب صورة الدكتاتور العربي».
جدي لم يكن رجلاً حزبياً ولم يعمل في السياسة. ريفيّ علّم نفسه القراءة والكتابة، لم يقرأ الصحف يوماً، وكان يكفيه مذياعه الصغير ذو الغلاف الجلدي، ليسمع الخطابات عبر اذاعة «مونتي كارلو». كانت الإذاعة بمثابة الرابط الوحيد بينه وبين السياسة. وطبعاً يتذكر خطابات عبد الناصر ومواقفه تجاه لبنان، لتلمع في رأسه فوراً صورة كميل شمعون «القبضاي»، الذي رفض الانضمام الى الوحدة العربية و«تقرّب من الغرب ليحمي لبنان».

كان يكفيه مذياعه الصغير
ذو الغلاف الجلدي ليسمع الخطابات عبر اذاعة «مونتي كارلو»


ما زال حتى اليوم يفتخر بفؤاد شهاب لأنه رفض أن يسافر إلى سوريا


لم يكن جدي وحده من يخاف الوحدة العربية كثيرون من أبناء جيله عاشوا هذا الخوف
كان الغرب آمناً بالنسبة لجدي الذي خاف عبد الناصر ومشروعه، فكرة الوحدة ترعب الأقليات. رحل شمعون عن سدة الرئاسة ليحلّ مكانه فؤاد شهاب، وبقي جدي يحب أي «قبضاي» يقف في وجه عبد الناصر. ما زال حتى اليوم يفتخر بفؤاد شهاب لأنه رفض أن يسافر إلى سوريا لملاقاة عبد الناصر. يومها كانت الوحدة بين سوريا ومصر ما زالت قائمة، فنُصبت خيمة على الحدود اللبنانية ــ السورية والتقى الرئيسان فؤاد شهاب من الجهة اللبنانية وجمال عبد الناصر من الجهة السورية. لقاء الخيمة كان انتصاراً لجدي، لأنه يعتبر أن لبنان لم يرضخ لا لمصر ولا لدمشق. وهنا يتجمّد «عهد القبضايات» عنده، فجميع الرؤساء الذين أتوا من بعد ذلك سلّموا لبنان لجيرانه العرب. لم يكن جدي وحده من يخاف الوحدة العربية، كثيرون من أبناء جيله عاشوا هذا الخوف، وشاركوا في حروب تحت ذريعة الخوف، الخوف من الآخر، الآخر الذي يريد أن يلغي وجودهم. لم يحسموا أمرهم تجاه عروبة البلد، فلبنان هو لبنان فقط لا غير، لا يمكن أن تأتي بعده ملحقات أخرى. كان الموقف من عبد الناصر وسياسته بمثابة «كفّة الميزان». لم يرض مجايلو جدي عن الرئيس شارل حلو، الذي تسلم الرئاسة بعد فؤاد شهاب، لأنه انضوى تحت جناح عبد الناصر ووافق على توقيع «اتفاق القاهرة».
يعرف جدي أن عبد الناصر كان حلم كثيرين. خاض حرباً وأحبوه، استقال وأحبّوه، عاد عن استقالته وأحبّوه، حارب الإخوان المسلمين والشيوعيين وأحبّوه، كان ديكتاتوراً وأحبّوه، وكأنه مهما فعل كان قليلاً عليه أن يحبّوه فقط. لكن جدي، الذي ظلّ متمسكاً بإذاعة مونتي كارلو وخوفه المسيحي ــ الأقلوي، لم ير في عبد الناصر إلا تهديداً له، حتى بعد موته. فقد رحل عبد الناصر وبقيت ناصريّته، اندلعت حروب وانطفأت أخرى وفي كل مرة كان يعتلي المنصة رجل يرفع اصبعه ليذهل الحضور. تغيّرت خريطة المنطقة فأزيلت صورة عبد الناصر لتحلّ مكانها صور كثيرة. صور لطغاة ومستبدين كسروا ما يحلو لهم وأعادوا تجميعه باسم الوحدة والقومية والعروبة. رحل عبد الناصر تاركاً بعده طامحين إقليميين وكرسياً شاغراً لديكتاتور عربي.