ليست صورة جمال عبد الناصر وراثة. في منزل جدي، كانت صورة الشاب بالبزة العسكرية، هي المرفوعة في الصالون البارد المقفل دوماً. هي صورة فيصل الثاني، الملك الأخير للعراق، ورمز حلف بغداد. لكن دفء العلاقة بصورة عبد الناصر موروث لا شك، عن والدي الذي رفع صورته إلى جانب صورة «البيك». الأخير الذي سيُدخِله المدرسة الحربية، ليقود انقلاباً كناصر.


ربما رفَع الصورتين فعلاًً، او أن رفيق علي أحمد صوّر لنا قناعة ذلك الزمن بهذه الطريقة. المهم أن ذلك الدفء لا يصنع قناعة. القناعة بخيار الرجل الذي رحل عن هذه الدنيا قبل ولادتي بما يزيد على عقد كامل، مبنية على غير «الدفء». ثمة في السياسة ما يجعل خطاب عبد الناصر، وبرنامج عمله، أيديولوجيا متبناة.
كان ذلك قبل أن تسود في بلادنا الأفكار الـ«كوول». التي تصدّرها الإمبراطورية الحاكمة. عبادة صندوق الاقتراع هي الدين الجديد، والسطحية دستور حياة. تقول لنا تلك الأفكار إن «الأيديولوجيات» ماتت، ولا قضايا عادلة على هذا الكوكب، بل اختلاف في وجهات النظر. أول ما دمّره المستعمر في بلادنا هو المصطلحات. الحديث عن الاستعمار والإمبريالية والعدوان والعدوّ والأمة والمصالح القومية وإرادة الجماهير والصهيونية... بات مادة للتندر. عفا الزمن على «الشعارات». كله مذموم طالما أن «إرادة الجماهير» لا تسير وفق مشيئة الرجل الأبيض.
زمن عبد الناصر نقيض لهذا «الطيش» «اللامنتمي» (المموَّل من المستعمِر وآل سعود) الذي يحكمنا، ويحدد أولوياتنا الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والفنية... وذائقتنا ولغتنا وما نحب وما نبغض وما لا يجوز أن نكرهه...
زمن عبد الناصر هو نقيض لكل ذلك. هو الزمن الجميل، بكل ما لهذه الكلمة من معنى. ليس في هذا القول نوستالجيا غبية، ولا انتقاء غير منصف تمارسه الذاكرة. بلى، إنه الزمن الجميل. يوم خرج علينا رجل فقير ابن عائلة فقيرة، ليخبرنا أن في مقدورنا أن نعيش بكرامة، وأن نقول لعدونا إنه عدوّ، وأن من يسانده عدوّ مثله، ومن يقول للرجعيين لا نريد أموالكم ولا نفطكم ولا دينكم. خرج ليُعلِم الفقراء أن الأرض لهم، وأن في بلادنا خيراً يكفينا جميعاً ويفيض، وأن الاعتماد على أنفسنا وعلى أصدقائنا يتيح لنا بناء اقتصاد وطني متين، وجيشاً قادراً، ومدناً وبنى تحتية ومشاريع تنموية عملاقة، وبرامج طائرات وصواريخ، وفضاء (لم لا؟)؛ وأن الارتماء في حضن العدو ليس قدراً...
أخبرنا أن لأخوتنا في فلسطين والجزائر واليمن حقاً علينا بأن ننصرهم، وأن الأمن القومي لا يُصنَع بانعزال ولا بإضافة كلمة «أوّلاًً» إلى اسم الدولة التي رسم حدودَها المستعمر. أنبأنا أن الحب وفير، وأن الجمال لا تصنعه وحوش الصحراء. أعطانا هذا الرجل مثالاًً عملياً عن تقليص الفارق بين الشعار وبين برنامج العمل. بالتأكيد، كان عصره عصر انكسار وهزيمة أيضاً. لكنها لم تحل بينه وبين الناس، ولا بين أن نعود إلى البناء، لأن عدونا صلب لا يهزمه إلا أصحاب الإرادة الصلبة، ولأن الهزيمة نتجت من سوء الإعداد للمعركة لا من خلل في أحقيتها أو في صوابية خيار القتال.
هي بديهيات لا أكثر. بديهيات يتهمها ناشرو التفاهة ودعاة الديموقراطية الاستعمارية بأنها مريحة، رغم أنها توجب بذل الدماء والدموع والعرق والأرواح. ولأنها فعّالة ومضمونة النتائج، يموّل المستعمرون وعملاؤهم عملية تسخيفها وجعل الناس ينفضّون من حولها.
في زمن سطوة أيديولوجيا المستعمر، تٌعرف قيمة عبد الناصر أكثر من ذي قبل. أجمل ما في تجربته أمران: الأول، اشتراك الصهاينة والأميركيين (وعملاؤهم) والظلاميين بنسخهم الثلاث (آل سعود وأصحاب ربطات العنق والدواعش) في معاداته ومواجهته. أما الثاني، فإنه من قلة كانت تحفّز الناس على أن يحلموا.