الصورة الفوتوغرافية لا تلتقط الصوت. قاومت جدتي هذه الحقيقة عشرين عاماً، ولم تتكيف معها إلا حين ماتت. على فراشها الأخير، تأكدت أن الصورة لا ترأف بالأصوات، ولو كانت ساحرة. جدتي كانت حالمة فعلاً. قبل رحيلها بيوم، تفوّهت بجملة غريبة، قدّرنا أنها ناتجة عن هلوسات حادة. ومن لا يعرف شيئاً عنها سيجزم بذلك فوراً. رجتنا أن نصوّر أنفاسها المتقطعة أثناء نومها ليلاً، علّها تستطيع رؤيتها. «دعيني أشاهد أنفاسي غداً».


حين أمسكت بالصور لم تر سوى وجهها المغمض. استسلمت بعد ذلك بأربع ساعات.
لنعد إلى طلبها العجيب، الذي لولاه ما كنت سأعرف يوماً لماذا دمعت عيناها عندما رأت أم كلثوم لأول مرة، على التلفاز. بكت جدتي، ولم يكن ذلك تأثّراً برؤية وجه من استمعت إليها لسنوات في الراديو. حسناً قد يكون هذا أحد الأسباب. لكنها لم تكن تتفرج على أم كلثوم. كانت عيناها تحدقان في مكان آخر، وإيماءاتها توحي بالبحث عن شيء ما.


رجتنا جدتي أن
نصوّر أنفاسها المتقطّعة أثناء نومها ليلاً علّها تستطيع رؤيتها

شيء تتلمس وجوده، لكنها لا تراه. ما كانت دموعها تبكي سوى انفلات الصوت من عينيها مجدداً، كما انفلت منها مراراً في الراديو. هذه هي الصورة بالنسبة لجدتي. كان بكاؤها متقطعاً، كمن فقد شيئاً، وبكى مجدداً خوفاً من الاعتياد على الفقدان. كانت جدتي تحاول مواجهة خوفها. تقشف حركة أم كلثوم على المسرح أرهبها، أكثر مما أرهبها الصوت نفسه. كل هذا الصوت ولا حركة، كانت تردد. كانت تطمح، بعد سماع انهيارات حنجرة أم كلثوم وإغماءاتها، أن تشاهد جسدها يتهاوى على الأرض مثلاً. إلا أنها صارت تشبّه جسدها براصّور مثبت بخشبة المسرح، يتمايل بكل الاتجاهات، لكنه لا يقع. أما وقد فقدت الأمل من جسد الست، وجّهت تركيزها إلى أبسط حركاتها. كانت تطمح إلى القبض على حركة الحنجرة الظاهرة في مناطق ضيقة من الجسد. المعادلة السحرية. خيّل لها أنها اهتدت إليها، معتقدة أن الصوت لا بد أن يظهر في مكان ما ولا نراه. لعله يكمن هناك، في كف أم كلثوم، وفي تمايل كتفيها الضئيلتين. يتموضع دفعة واحدة في ذراعها التي تُشد وتُرخى.

حين كانت ترى
منديل أم كلثوم وتخال أنها قبضت على الصوت، تبتسم كأنها ترى وجه الله
الصوت يكمن هناك في تشنّجات قدمها وفي انعطافة منديلها إلى اليسار، مع خروج «يـ» واحدة من «إيييييييييه يا ندم». لم تكن جدتي تسعى لهذا عبثاً. ولم تكن لهذه الغاية علاقة بتصوير الفيديو، إطلاقاً. هوس ام كلثوم بضبط حركة جسدها لم يكن يضاهيه سوى هوس جدتي بتلك الحركة، ويفوقه هوسها بشكل الصوت. صارت حين ترى منديل أم كلثوم، وتخال أنها قبضت على الصوت، تبتسم كأنها ترى وجه الله، خلسة.

■ ■ ■


من رأس جبل شاهق، كأنه السماء، كانت تتدحرج صخور. المئات منها. صخور عملاقة. وفي نزولها نحو الهاوية العميقة تتكسر وتتخذ أشكال حجارة كبيرة تتفتت بدورها إلى حصى. الهاوية هي فم جدتي، تنزلق الحجارة إليه، سريعة جداً في البلعوم، مخلّفة جروحاً حادة. كانت جدتي تستيقظ دائماً عند هذا المشهد من الحلم. جافة الحلق. «رأيت صوت أم كلثوم» تخبرنا.
لو سألني أحد عن سبب موت جدتي لأجبت أنها اختنقت بالحصى، وأن الحجارة تكدست في معدتها في صف طويل وصل إلى أعلى حلقها، وحجب عنها التنفس. سيبقى ذلك أفضل من سبب موتها الحتمي أي التقدم في السن. يروق لي أن أقول هذا، إلا أن أحداً لا يسأل عن سبب موت الجدات.