«عن بلادنا التي تسير كالريح نحو الوراء...» | ذات مرة، بينما كنت أهرول على السلالم، مستعجلاً الوصول إلى شقتي في الطبقة الرابعة في المبنى، جذبتني رائحتها التي سكنت «خياشيمي»، كسمكة في عرض نهر. ظلّت تلك الرائحة تعطّر السلالم ليومين متتالين. على طول الشارع في مدينتي الجديدة، كنت أنظر إلى أكشاك الورود السورية التي تزيّن النواصي. وأراقب الأطفال الذين يذهبون جماعاتٍ إلى المدرسة، كأنهم ملائكة تمشي على الأرض.


خلال الثورة السورية، كانت تشغلني الصفحات التي تبرز مشهد الفنون البصرية في سوريا، وتلك الأغاني التي تؤسّس للحراك على الأرض. كنت أتابع إحدى الصفحات بشغف، فلفتت انتباهي لوحة لقنبلة مغلّفة بالورود للفنان السوري تمّام عزام، وقد كُتب عليها: الربيع السوري. جلست أفكر في تلك اللوحة، متفحّصاً تفاصيلها بدقة، كمن يتفحص زهرة نبتت للتوِ بين شقوق البلاط. طبعاً، غيّرت أحداث سوريا في طبيعة الفن الذي يُطرح من خلال وسائط عدّة. كأن أرى قبلة الفنان غوستاف كليمت على إحدى البيوت التي دمرتها الطائرات.
نعم إنها قبلة، ولكنها مسمومة بطعم المرارة والأسى على هؤلاء الأطفال الذين يموتون في كل يوم، والنساء اللواتي يُغتصبن. خريطة الأرض السورية حاضرة في ذهني، لكن يبدو أنني كلّما وضعت كفي على صدرها، تبقّعت بالدم.

■ ■ ■


السوريون خرجوا، كمن يخدش قشرة العالم بإصبع وحيد، وكمن أراد أن يقبض على غيمات السماء البيضاء، ويبتلعها جرعة واحدة. وسط زحام الجثث الموشومة بالدماء، والتي تغزو شاشات التلفزيون، ظلّت شعلة السوريين مشتعلة. كل منهم يكسر حاجزه الشخصي، ولا يفكر سوى بفك قيود الطاغية. أمهاتٌ ثكلى وشمس باهتة تحاول أن تدفئ ما تبقى من أطراف. الأسر السورية التي كنت ألتقيها أثناء التجوال في المدينة، أصبحت أكثر ألفة ومودة. اتلكأ كلّما صعدت السلالم كي استرق السمع لصوت فيروز أو أفتح قلبي على باب الحارة الحلبيّة.
صديقي الذي غادرنا منذ فترة، كان يجلس بجواري يومياً ويحدثني عن عِشقه للقاهرة وصوت أم كلثوم الذي يتردد في مقاهي حلب. افتقده منذ مدة، وعندما أفتح صفحتي على شبكة التواصل الاجتماعي ـ فايسبوك، أجده في صورة «سيلفي» وسط الثلوج، وينظر إليّ بابتسامة باهتة، كأنما يقول لي: «لقد فعلتها يا صديقي/ لقد زرت السويد/ لكن كلي حنين إلى سوريا».

■ ■ ■


عندما سألت عن تلك الرائحة الذكية التي شممتها على السلالم، أخبرني أحدهم أن ذلك المشروب يُدعى «متة»، وله طقوس ومواعيد ثابتة في العام لشرابه. بحثت عنه، فوجدت أنه يتركز في منطقة جبل العرب وفي منطقة حمص ومدينة سلمية وفي الساحل السوري، إضافة إلى بعض المناطق الداخلية مثل بعض بلدات القلمون خصوصاً النبك ويبرود التي يوجد فيها أكثر من معمل لتعبئة المتّة. ومع نهاية القرن العشرين أصبحت مشروباً رسمياً لعدد من المناطق. بعضهم يشربون المتة مع إضافة بعض الأعشاب المحلية ذات المنشأ الطبيعي – نباتات برية – كالزعتر والنعنع البري والزوفا والزنجبيل، ما يجعلها أكثر لذة وأطيب مذاقاً.

■ ■ ■


-لم يفقد السوريون إيمانهم بالحياة. أرادوا أن يخلخلوا المدى. لكن للحرية ثمن آخر، فكلّما تذكرت تلك التفاحة التي تقف في عرض الحلق. أدركت أن الشوارع بلا مواعيد كالحرية بلا صوت.
أعود إلى منزلي أخيراً في المساء. أفتح أحد الأدراج، والتقط كتاباً بغلاف أخضر وسلّم معتّق بزهور الياسمين للشاعر السوري النقيّ منذر مصري. افتحه على إحدى الصفحات عشوائياً، فيمثل أمامي مقطع من نصٍ لأحد الأصدقاء: سجّانو الوداعة/ إذا أعادوا لك الشوارع/من الذي يعيد لك/ المواعيد؟.