يعرف الكثيرون الشارع باسم «نزلة الحصّ»، في إشارة إلى منزل الرئيس سليم الحص الكائن هناك. لكن الشارع المتفرّع من منطقة عائشة بكار، والمؤدي إلى مارالياس، اسمه «شارع الاستقلال». وهناك تتوزّع محال «أزهار طقوش» على جانبي الطريق. أمتار قليلة قد تفصل المحلّ عن زميله. ووحدهم قدامى الشارع يستطيعون إرشادك إلى الأقدم بينها: محل الحاج عبد الرحمن طقوش، الذي افتتح في المكان قبل عشرين عاماً تقريباً.


وعبد الرحمن، هو ابن عمر طقوش، صاحب المحل الأشهر الذي افتتح قبل خمسين عاماً في شارع «جان دارك» في الحمرا ولم يقفل إلا العام الماضي. فقد كبر الحاج عمر في السن ولم يعد قادراً على العمل. تجده يزور محل ابنه على نحو شبه يومي، ولمدة ساعتين إلى ثلاث ساعات، حيث يمضي وقته بين الزهور التي تخلى من أجلها عن مهنة الحلاقة. يضحك عبد الرحمن وهو يردّد رأي أبيه في مهنة الحلاقة. «في الستينيات، لم يعد الشباب يقصّون شعورهم، ودرجت موضة الخنافس».
طبعاً لم يكن هذا السبب الرئيسي الذي دفع بطقوش الأب إلى التخلي عن مهنته، بل إدراكه لما يمكن لهذه المهنة الجديدة أن تدرّه عليه من مدخول، وخصوصاً أنه كان يساعد ابن عمه فيها. لذا، لم يفكر مرتين في استئجار أول محل يشغر قريباً منه ليبدأ عمله الجديد، الذي سيصبح مهنة العائلة المؤلفة من خمسة اشقاء. وقد فتح الأشقاء تباعاً عدداً من المحال في أكثر من شارع في بيروت.
وبما أن البيت كان ملاصقاً للمحل، كان لا بدّ للأولاد أن يساعدوا والدهم في المناسبات. هكذا انضم عبد الرحمن وإخوته إلى المهنة، وفتح كلّ منهم محلاً أقدمها هو الكائن اليوم في شارع الاستقلال. وكذلك فعل أولاد العمّ، وثم من رغب من العائلة نفسها فتعدّدت المحال. منها ما يحمل لافتة «طقوش» فقط، ومنها ما أضيف إليه اسم صاحبه ولكن بخط صغير.
هذا الأمر لا يزعج عبد الرحمن واخوته، وإن أوضح أن اسم «طقوش» مسجّل في غرفة التجارة والصناعة. من جهة، هو مقتنع بأن كل إنسان يحصل على رزقه. ومن جهة ثانية، للأمر وجهه الإيجابي، «إذ يصبح الشارع سوقاً للزهور، كما يوجد سوق للذهب او سوق للألبسة».

انتشار المحال
في شارع واحد
يمكن أن يؤسس
سوقاً للزهور

وما الذي يمكن أن يحبه الإنسان أكثر من محل الزهور؟
تقول الشقيقة إن هذه المهنة جميلة، ويجري العمل فيها في مختلف المناسبات، ولا سيما الأفراح. تردّد مثلاً تقول إنه صيني لتؤكد على أهمية البضاعة التي تبيعها «إذا معك فرنكين، اشترّ ب فرنك رغيف خبز، وبالثاني وردة».
واللبنانيون الذين يعملون بهذا المثل كثيرون في لبنان. تحكي عن زبائن يحرصون على تزيين البيت بالزهور على نحو شبه أسبوعي. هذا فضلا عن حضور الزهور في معظم المناسبات السعيدة «من الأعياد إلى الزواج أو طلب اليد أو التعبير عن الحب». ولكلّ مناسبة زهورها وألوانها.
عبد الرحمن مثلاً يحب الورد، ويسمّيه سلطان الزهور. والكثير من زبائنه كذلك. يحلّ «التوليب» في المرتبة الثانية، ثم «الكازابلانكا»، و الـ«ليس» والـ «أوركيديا»... قلّة تشتري الشتول «ربما لأن الورد له معنى أكثر».
منذ البدايات، كان الزبون اللبناني يتعامل بذوق مع الورود، لكن الفارق أن المهنة تطورت كثيراً عن الماضي. «في السابق، كانت أنواع الورود معدودة: قرنفل، جيبربيرا، زنبق، منتور وفم السمكة»، وكانت هذه الورود فقط هي التي تكوّن الباقة. حتى «الأكسسوارات» المرافقة لها كانت محدودة: «كانت الأوراق الخضراء عبارة عن أوراق الخروب والغار والهوا»، يقول جميل، العامل في المحلّ. أما اليوم، فقد اختلف الأمر «قوالب الورد تغيّرت، كما تعدّدت أنواع الخضار التي تزيّن الباقة». إلى الصفصاف اللبناني، تجد في المحل أوراقاً خضراء جميلة من سيرلنكا، وقرنفلا أخضر من الصين، وورق الكاتونوس الأحمر الذي يمثّل شعار كندا، وغيرها من الاكسسوارات التي تقارب أسعار بعضها، أسعار الزهور نفسها.
وعلى نحو عام، لا تعدّ الزهور من البضاعة المرتفعة الثمن. حتى إن الورد الاحمر لا يرتفع ثمنه إلا في عيد الحب فقط. إذ يراوح سعر الدزينة بين 25 إلى 40 ألف ليرة باختلاف نوعيته ومصدره، إذ تستورد الورود من دول مختلفة مثل كينيا أو الصين أو إثيوبيا أو الاكوادور... إذ لا موسم ورد في لبنان حالياً «حالياً نحن في موسم تشحيل الورد. في شهر آذار يكون عزّ الموسم، وعندنا أنواع جيّدة ومتنوّعة».
لكن على بعد أيام من عيد الحب، لا شيء في المكان يدلّ على أننا نقترب من المناسبة. اللوح المعلّق إلى يمين الحاج عبد الرحمن طقوش لا يحمل الكثير من الطلبات. وما هو مسجّل على اللوح لا علاقة له بعيد الحب. تماماً، كما أن الشاب الذي دخل سريعاً ليحمل باقة كبيرة من الورد الأحمر، لا علاقة له بـ«الفالنتاين»، كما يجيب ضاحكاً على سؤالنا عن سبب استباقه هدية العيد.
هذه المشاهدات لا تعني شيئاً على صعيد استعدادات اللبنانيين للاحتفال بعيد الحب بعد يومين، إذ يتوقع طقوش أن يرتفع الطلب لاحقاً. «يبدأ الطلب قبل ثلاثة ايام، لكن كما ترين نعدّ بعض الاشياء الجاهزة منذ الآن ونضعها في البراد لأننا لن نستطيع تلبية كل الطلبات في يوم واحد». طبعاً، في الماضي القريب، كان الوضع أفضل بكثير «وكنا نبدأ الاستعداد قبل عشرة أيام على الأقل، لكن على نحو عام، الوضع لا يزال جيداً».
باختصار، لا يمكن لتجارة الزهور أن تضعف، فهي من أجمل الهدايا التي يمكن أن تقدّم باختلاف المناسبات. ما يتغيّر، هو حجم الإقبال وفق كلّ مناسبة: «نبيع في عيد الأم خمسين ضعف ما نبيعه في عيد الحب، والأخير يتساوى البيع فيه مع ما نبيعه في عيد الاضحى، كما نبيع كثيراً في عيد رأس السنة». هذه هي المواسم الأبرز التي ينتظرها باعة الزهور، إذا ما استثنينا منها مناسبات اللبنانيين الخاصة من أفراح وأحزان، تبقى الصدارة فيها للزهور.
ألا مساوئ لهذه المهنة؟
«بلى» تقول الشقيقة «ما من عطَل. نعمل طيلة الوقت، لذا يصحّ القول إن صاحب هذه المهنة يجب أن تكون رجله مكسورة ليبقى في محله».