خطف النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو الأضواء في إيطاليا هذا الموسم. صاحب الخمس كرات ذهبية انتقل من ريال مدريد إلى يوفنتوس وفاز بجائزة أفضل لاعب في الكالشيو هذا الموسم. وعلى الرغم من ذلك، فإن البرتغالي لم يستطع تجاوز المخضرم فابيو كوالياريلا صاحب الـ«36 عاماً»، الذي حقق لقب الهداف في الدوري الإيطالي هذا الموسم، كما أنه لم ينل سوى بطاقة صفراء واحدة.

شهد الدوري الإيطالي لكرة القدم في مواسمه العشرة الأخيرة، منافسة بين ثمانية لاعبين على لقب الهداف. واللافت في إيطاليا أيضاً، أنه وفي خمسة مواسم من أصل الـ19 الأخيرة، كان يقف على رأس قائمة الهدافين لاعب تجاوز الثلاثين من عمره. آخر هؤلاء كان فابيو كوالياريلا، هداف الدوري الإيطالي هذا الموسم بـ26 هدفاً من 36 مباراة، مع ثماني كرات حاسمة (احتل لاعب أتالنتا زاباتا المركز الثاني بـ22 هدفاً و7 تمريرات حاسمة). أسماءٌ كثيرة تركت الأثر في الكالشيو بعد دخولها في العقد الثالث من العمر، على غرار أنطونيو دي ناتالي ولوكا طوني، غير أنّ الظروف التي عاشها كوالياريلا تجعل من موسمه الحالي إنجازاً حقيقياً على الصعد كافة.
عشق كوالياريلا نادي نابولي منذ صغره. نشأ في «كاستيلا ماري دي ستابيا»، على مشارف مدينة الجنوب الساحلية الجملية، وفي ظل جبل فيسوفيوس. هناك، أُصيب فابيو بما يسمى الشغف الإيطالي الجنوبي للمدينة، هذا الشغف بحسب أهل المنطقة يجبر أي شخص على الوقوع في غرام الـ«بارتينوبي». غير أنّ الشغف وحده لم يكن كافياً لتحقيق حلم الإيطالي الصغير، إذ فرض عليه التنقل بين عدة أندية قبل الالتحاق بنابولي. ذهب كوالياريلا إلى الشمال الإيطالي، وتحديداً إلى تورينو، لبدء مسيرته الاحترافية في كرة القدم. بعد تورينو، تنقّل فابيو بين العديد من الفرق، على سبيل الإعارة، وأحياناً الشراء. مثّل الإيطالي القوي كل من فيورنتينا، وكييتي، وأسكولي، وسامبدوريا وأودينيزي، حتى سنحت له الفرصة أخيراً في تحقيق حلم طفولته باللعب لنابولي عام 2009. هناك، تحولّ حلم كوالياريلا إلى كابوسٍ حقيقي، حيث أضحى في غضون عامٍ واحد «خائناً» للجنوب الأزرق، بعد أن كان البطل المنتظر منذ سنوات.

وصل العديد من رسائل التهديد إلى اللاعب على هاتفه وبريد منزل العائلة تتوعّد بقتله


في موسمه الأول مع نابولي، كان كوالياريلا ملك المدينة من دون منازع. الطفل الذي دخل ملعب «سان باولو» مشجعاً، كبر ليصبح نجم الفريق الأول.
فجأة، بدأ كل شيء ينهار. في تلك الفترة طلب كوالياريلا المساعدة من شرطي متخصّص في الأمن الإلكتروني يدعى رافاييل بيكولو، وذلك لفك كلمة سر من على هاتفه. عقب ذلك نشأت علاقة سطحية بين كوالياريلا والشرطي، لتتوطد مع الزمن بعد أن وصل العديد من رسائل التهديد للاعب على هاتفه وبريد منزل العائلة تتوعّد بقتله، إضافةً إلى رسائل ابتزاز بتهم التحرّش، واتهامه بأنه عضو في مافيا الكامورا.
لم يعرف كوالياريلا كيف يتعامل مع الوضع حينها، فاتصل بالشرطي الذي حل مشكلته السابقة لكونه متخصصاً في الأمن الإلكتروني، إذ كان يعتبره محل ثقة، خاصةً بعد أن أقنعه الشرطي بعدم تقديم بلاغ شخصي في مركز شرطة نابولي لإبعاده عن الإعلام، وتعهد بأنه سيأخذ على عاتقه متابعة القضية. هكذا، بات رافاييل يزور منزل كوالياريلا باستمرار، لجمع وتحليل الرسائل والأدلة التي تصله. أضحى كوالياريلا ضحية للخوف والشك، حتى إنه أبى التجوال في المدينة من دون أن يكون متنكراً حفاظاً على سلامته. التوتر المستمر للاعب الإيطالي شكّل منعطف تاريخي في مسيرته، إذ قرر الانتقال بعد عامٍ واحد إلى يوفنتوس أملاً منه بإنهاء هذا الكابوس، ما أثار غضب جماهير نابولي (من يعرف إيطاليا، يدرك تماماً مدى حساسية الانتقال من نابولي إلى اليوفي). بفعل الإصابات المتكررة، فقد كوالياريلا الكثير من قدراته الفنية، فانتقل إلى تورينو ثم سامبدوريا، ناديه الحالي، حيث تمكن بفعل أدائه اللافت هذا الموسم من المشاركة مع المنتخب الإيطالي في التصفيات المؤهلة لبطولة أوروبا (يورو 2020)، عن عمرٍ يناهز 36 عاماً.
بعد عدة سنوات من التهديد والابتزاز، كُشف اللغز أمام أعين والد كوالياريلا، بعد أن قام رافييل بيكولو بإخبار العائلة بأنه بدأ يتعرض للتهديدات أيضاً، وعند سؤاله عن طبيعة الرسائل، قال الشرطي إنه مسحها. بعد هذه الحادثة ذهب والد كوالياريلا الى مركز الشرطة في نابولي ليتأكد من متابعة القضية، لكنهم أخبروه بعدم وجود أي بلاغ عن هذا الأمر.
في شباط/فبراير من العام (2017)، ألقي القبض على الشرطي رافييل بتهمة الابتزاز، وحكم عليه بالسجن لمدة 4 سنوات و8 أشهر بعد أن ثبت ترصّده للعشرات، بمن فيهم فابيو، وأنه يقوم بابتزازهم. عندها، كشف كوالياريلا عمّا حدث للإعلام، فقامت جماهير نابولي برفع لافتة قبل انطلاق مباراتها مع كروتوني كتبت فيها، «لقد عشت الجحيم بيننا بكرامة وكبرياء، فابيو أنت ابن هذه المدينة». كما أبدى كوالياريلا رغبته في العودة يوماً ما إلى نابولي، رغم أن عمره وصل إلى (35 عاماً).
الضغوط التي تعرض لها نجم الكرة الإيطالية خلال حياته، لو أن لاعبا آخر تعرض لها لكان انتهى به الأمر إلى ترك كرة القدم، إلا أن هداف الدوري هذا الموسم لم يستسلم، بل تفوّق على نفسه، واستمر في اللعب والنجاح وتسجيل الأهداف، إلى أن وصل إلى حيث هو الآن في سماء الكرة الإيطالية.