«استخدام الإيطاليين لم يكن بهذه القلة من قبل»، هكذا صرح مانشيني تعليقاً على استدعائه نيكولو زانيولو (19 عاماً). مانشيني ليس راضياً: «لاعبون مثله يجب أن يلعبوا، في الماضي كان اللاعبون ممن في عمره يلعبون لأكبر الفرق هنا». المدرب الجديد، لا يملك عصا سحرية، ويرى أن الاتحاد يجب أن يفعل شيئاً. فبرأيه، الكثير من الإيطاليين الجيدين أفضل من بعض الأجانب في مركزهم. طبعاً، مانشيني ليس يمينياً متطرفاً، أو معادياً للأجانب. يتحدث عن كرة القدم وحسب، وعن بناء فريق متجانس. وفي أية حال، تعليقات مانشيني تسلط الضوء على قلة الدقائق التي يحصل عليها الإيطاليون في السيري أ مقارنة بغير الايطاليين. في الواقع، يبلغ عدد الأجانب في الدوري الإيطالي أكثر من 55% خلف الدوري الإنكليزي الممتاز مباشرةً، ويتقدم على الدوري الألماني الذي تبلغ النسبة فيه 45%. النسبة لم تكن دائماً على هذا النحو، خاصة في ذروة مستوى الدوري الإيطالي حيث سجل موسم 2003/2004 نسبة أجانب 33% فقط من لاعبي الدوري. تغيّرت العقلية، وازداد الميل إلى التسويق. ولكن هذا مفيد لإيطاليا؟ فلننظر إلى الفرق الكبرى.

لا يشكل اللاعب الإيطالي نسبة عالية في تشكيل أكبر الفرق في إيطاليا. يوفنتوس على سبيل المثال، يضم 8 إيطاليين في تشكيلته. ولا يلعب بانتظام منهم سوى كيليني وبونوتشي. وهذا عكس ما كانت عليه الحال في السابق حيث كانت تشكيلة يوفنتوس تعج بالإيطاليين (13 من 22 لاعباً موسم 1997/1998). التشكيلة التي فازت بدوري الأبطال 1996 كانت تحوي ثلاثة أجانب فقط وهم ديشان وباولو سوزا ويوجوفيتش. الحال ينطبق على فريق ميلان، حيث لا يلعب بانتظام في تشكيلته الأساسية سوى رومانيولي، دوناروما وبونافينتورا وكالابريا، بينما في 2007، وعندما فاز بدوري الأبطال كانت تشكيلته تضم 10 إيطاليين. الوضع ينطبق أيضاً على نابولي حيث لا يلعب بانتظام سوى انسيني وتضم تشكيلته الكاملة 4 إيطاليين فقط (يشكل الإيطاليون أقل من 10%) . الحال لا يختلف في نادي انتر ميلانو حيث لدينا لاعبان إيطاليان فقط شاركا في نهائي دوري الأبطال 2010 مثلاً، ومن على مقاعد البدلاء، ولا يحوي الآن أكثر من 6 لاعبين إيطاليين في تشكيلته الكاملة. اللافت أنه، وخلال وجود مانشيني كمدربٍ لانتر بين 2004 و2008 لم يكن العنصر الإيطالي صاحب أولوية. وحتى في المرة الأخيرة قبل أن يرحل مانشيني لحساب سباليتي، كان الأمر مشابهاً. في آخر موسم لمانشيني مع الانتر في فترته الأولى 2007-2008، حضر 3 لاعبين إيطاليين فقط من أصل 28 وهم تولدو وبالوتيلي (لم يكونا أساسيين) وماتيرازي. ولم يتغير الوضع حين عودته إلى أجواء الدوري الإيطالي من بوابة الانتر عام 2014 حتى 2016. لم يعتمد على الإيطاليين، وحضر 3 إيطاليين فقط في تشكيلته الكاملة وهم ايدير وسانتون ودامبروزيو، ومستواهم ليس عالياً بين أقرانهم الإيطاليين أصلاً. لذلك فإن انتقادات مانشيني تبدو مستغربة، حيث أنه عند تولي زمام الأمور لم يعتمد على الإيطاليين. يبدو أن الأمور أكبر منه، وأن «السوق» هو الذي يتحدث.

كانت تشكيلة يوفنتوس تعج بالإيطاليين وكذلك ميلان


إلى ذلك، لا ينال الإيطاليون تحت 23 سنة فرص كثيرة للعب، باستثناء فيورنتينا الذي يملك التشكيلة الأصغر في الدوريات الخمسة الكبرى (23.3 سنة) فإن الاعتماد على المواهب الصاعدة قليل. يعتقد مانشيني أن وسط الملعب هو أصل المشكلة بسبب «عدم استخدام لاعبين مثل بيليغريني، كريستانتي وغاليارديني». هل يبالغ قليلاً؟ ربما. وقد يكون محقاً في جانب، كون عدم حصول الإيطاليين الشبان على دقائق لعب كافية لا ينحصر في وسط الملعب فقط. ففي خط الدفاع لا يختلف اثنان على موهبة وصلابة روغاني ولكن لا يحصل على دقائق كافية أبداً، حاله حال كالدارا مع ميلان حالياً، وتونيللي مع نابولي سابقاً. الأمر نفسه ينحسب على خط الهجوم، حيث يوجد فيردي، بوليتانو وبيرناردسكي. إذاً، وعلى عكس ما يحصل في المنتخبات الأوروبية الكبرى، حيث تزخر تشكيلتها باللاعبين الشباب بسبب انتظامهم باللعب مع أنديتهم على غرار أسينسيو (أخيراً) وساوول ورودريغو مع إسبانيا، أو براندت وفيرنر مع ألمانيا. المثال الأبرز فوز فرنسا بكأس العالم بتشكيلة تعتمد على الشباب، والأهم، المهاجرين، وهذا يفتح المجال أمام سؤال عملاق آخر. هل ولى عصر المواهب الإيطالية الذهبي؟
لقد أشار المدرب الإيطالي أريغو ساكي في تعليقه على تصريحات مانشيني أن المشكلة ليست في انعدام المواهب بل بعدم استخدامها. حيث قال إنه خلال الأسابيع الثلاثة الأولى لم يشاهد سوى الأجانب في الدوري الإيطالي. خلال حقبة ساكي في ميلان كان الثلاثي الهولندي هو الأسطع، لكنه كان بمثابة «إضافة للفريق»، بينما كان العمود الفقري للفريق يتكون من الإيطاليين. يحضر في الذاكرة هنا مالديني وباريزي وتاسوتي وغيرهم. يرى ساكي أن الحل يبدأ باتحاد قوي يطور مدرسة ويصنع هوية لعب للمنتخب الوطني. هذا ما تداركته فرنسا في سبعينيات القرن الماضي، واستكملته بالتحاق المهاجرين بالفريق منتصف التسعينيات، كما فعلت ألمانيا مطلع الألفية الجديدة حيث طورت العديد من المدارس الكروية التي أفرزت العديد من المواهب التي أجبرت الفرق الألمانية بالاعتماد عليها وأنتج ذلك فوز المنتخب الألماني بكأس العالم في 2014. أداء المنتخب الإيطالي في بطولة العالم تحت 19 عاماً وحصوله على المركز الثاني قد يكون مؤشراً على توافر المواهب الصاعدة في إيطاليا. لكن أبرز مواهبه نيكولا زانيولو لاعب روما ولاعب يوفنتوس مويس كين، لا يحصلان على دقائق لعب كافية على سبيل المثال. فكيف يصير اللاعب نجماً من على مقاعد البدلاء؟ إيطاليا مطالَبة بتغيير كبير، وقد يكون أكبر من مانشيني بكثير.