في حين كانت وزارة الصحة «تنتظر الملف الطبّي» للطفل محمد العوطة، الذي يُعاني من التهاب الغدد الدرقية، كان جمهوري النجمة والعهد يجمعان المبلغ المتبقّي للعملية الجراحية التي يحتاجها الطفل (20 ألف دولار)، في يومٍ واحد، خلال المباراة التي جمعت فريقيهما على ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، ضمن نصف نهائي كأس النخبة. لم يُناشد والد محمد هؤلاء الجماهير، ولا غيرهم من عامّة الشعب. طالب الدولة باحتضان نجله، إلا أن حضنها يبدو أنه لا يسع سوى الرئيس الفلاني والملك الفلاني، الأمثلة كثيرة في هذا الإطار. الحُضن بالأحجام أيضاً. لكنّ الدولة أكبر من الملعب، هكذا يُفترض، إلا أن الملعب كان هو الحاضن. أصحاب الهِمم كثُر. أكثر من 30 مليون ليرة لبنانية جُمعت في المباراة. تلك لم يحضرها أكثر من 15 ألف مشجّع من طرفي العهد والنجمة. أغلب الأوراق النقدية التي فُرّغت من الصناديق كانت من فئة الألف ليرة.

انتهى اللقاء، تأهّل النجمة، وصار أمام جمهوره مهمةٌ جديدة. هذه المرة سيكون التضامن مع ابن المدرّجات والملاعب، ولو لم يكن القميص الذي ارتداه لست سنوات «نبيذي» اللون. محمد فاعور، لاعب الصفاء السابق الذي يُعاني من مرضٍ نادرٍ أقرب إلى التهاب العروق الدمويّة في الدماغ، لا يحتاج إلى مبلغٍ كبير لإجراء عمليّة ما. مرضه لا علاج له. جلّ ما تحتاجه عائلته أن يتكفّل أحد بدفع مصاريفها الشهرية، بعدما فقد أخ محمد نظره وهو معيل المنزل. تحت عنوان «كرمال محمد فاعور يعيش» ستبدأ حملة التبرّعات التي تسبق صافرة انطلاق المباراة بين النجمة والأخاء الأهلي عاليه على ملعب المدينة الرياضية أيضاً. المبلغ غير المحدد سيُجمع، ولو أن البعض أشار إلى تولّي عددٍ من الأشخاص مسؤولية تأمين معاشٍ شهري للعائلة. فاعور كالعوطة، كِلاهما يعانيان منذ سنوات. حالتهما لم تظهر إلى العلن فجأة، والمعنيون على خبرٍ بهما، لكن مجدداً، سيتكفّل الشعب بهذه القضية.
شيءٌ ما يجمع الجمهور في الملعب غير الإنسانية، غير العمل بنظرية أخلاقية مفهومها التعاطف. يشعرون بالفخر حينما يُصنّفون على أساس أنهم «ولاد المدرج». ليسوا من رُوّاد المنصّات بطبيعة الحال. هؤلاء الذين يَحسب معظمهم كِلفة المواصلات إلى جانب الخمسة آلاف ليرة التي يدفعونها لدخول الملعب، سيُزاحمون بعضهم مُجدداً للوصول إلى صناديق التبرّعات قبل «صندوق» بيع التذاكر.
كان بالإمكان أن يدور صندوق التبرّعات الأسبوع الماضي داخل المجلسين النيابي والوزاري. 158 شخصاً بدلاً من 15 ألفاً؟ يبدو الرقم صغيراً. «كل مين بيدفع على قدّه». الألف ليرة التي دُفعت على المدرجات جاءت من جيوب المواطنين ذوي الدخل المحدود. المواطنون يشعرون ببعضهم، لأن وجعهم ذاته، هم أنفسهم فقدوا الأمل بأن يسمع من هم «فوق» صوتهم. ليس المطلوب أن يدفع السياسيون الأموال من جيوبهم. ما طلبه والد محمد العوطة كان الالتفات إلى حالة نجله من جانب المعنيين في وزارة الصحّة. الوزارة نفسها المعنيّة بحالة محمد فاعور. أقلّه، ليصعد أحدهم إلى منبر المجلس ويكسر «الروتين» ليلفت نظر الوزارة إلى هذه الحالات.
بكل الأحوال، اليوم لمدرجات «المدينة» كلمة جديدة. العوطة وبعده فاعور وغالباً سيحضن الجمهور غيرهم في أيّام أخرى. الجمهور يحضن نفسه، جميلٌ هذا التضامن، لكن لا تتقاعس الدولة عن أداء دورها في ظل من يشغل هذا المنصب.