بكثير من الحزم يستقبل المدرب الدولي إبراهيم عودي «أبو سعيد» فريقه من الأطفال في ناديه «free fight gym». فتية وفتيات من منطقة صور والجوار يحضرون بشكل شبه يومي إلى الصالة الرياضية المتواضعة ليتعلّموا فنوناً قتاليّة متعددة. ملامح جدية تطغى على وجه «أبو سعيد» فيما يستقبل الأطفال، ينتقد تأخر أحدهم عن الموعد و يرشد آخر إلى الحركات الصحيحة.

عشرات الأطفال يملؤون القاعة الرياضية، يساعدهم في التدريبات إلى جانب أبو سعيد شابان من فريق الكبار. على الرغم من العدد الكبير، يطغى الهدوء على القاعة. يستمع الأطفال إلى التعليمات بدقة، ويتأكدون من أنهم على «درب الهدف» الذي انتسبوا من أجله إلى النادي.
تختلف الأهداف التي يمضي من أجلها الأطفال أوقاتهم في القاعة الرياضية المتواضعة. البعض منهم يريد أن يحترف وأن يشارك في البطولات العالمية لألعاب القوى. يهدف آخرون إلى تعزيز مهاراتهم الشخصية. إلا أنهم يتفقون جميعاً على أن هذا النادي ليس لتمضية الوقت فقط. آدم الذي لم يبلغ أعوامه الثلاث بعد، حَضَر ليتعلم «البوكسينغ». أما «جاد» ابن السبع سنوات فيأمل تعلم الدفاع عن النفس. «لا يجب أن أسمح لأحد أن يؤذيني، هذا ما يردده أبي دائماً. ولكنني لا أضرب أحداً من دون سبب»، يخبرنا جاد.

ألعاب القوى: تهذيب للأخلاق
يشير صاحب المشروع بيده إلى خزانة يضع فيها شهاداته. يقول باستياء: «لدي 122 شهادة تدريب من الخارج لا أحتاجها هنا. في لبنان يمكن أن تشتري شهادة التدريب، وهذا أمر معروف. ما يهم هو هدفك من إنشاء ناد رياضي». أكثر من ثلاثة عقود قضاها المدرب في عالم الرياضة، بينها 10 أعوام في تدريب منتخب لبنان. من بين خريجي ناديه أبطال حصدوا ألقاباً على صعيد العالم، إلا أن مسعاه هو «أن تصبح الرياضة نهجاً ولذلك أعطي هذه الساعات من وقتي للأطفال وخاصة في مدينة صور».
الفائدة في النهاية من الرياضة تتعدى كونها «جسدية» فقط. للصحة النفسية نصيبٌ وافرٌ من ذلك أيضاً. يؤكد أبو سعيد أن تدريب الأطفال رياضياً هو السبيل الأمثل من أجل تصويبهم أخلاقياً، وهذا ما تتميز به الألعاب الفردية لا الألعاب الجماعية فقط، وبينها الملاكمة والموايتاي. «يتدرب الأطفال على التحكم بذاتهم كما يتحكمون بجسدهم، كما أن هذه التدريبات تفرّغ الطاقات التي لديهم»، يتابع أبو سعيد. يشير بيده إلى أحد الأطفال قائلاً: «أحضره والده إلى هنا لأنه لم يتمكن من السيطرة عليه، كما أن طباعه الحادة وعصبيته منعته من الانضمام إلى أيّ نادٍ للألعاب الجماعية. أما هنا فلحظ أهله تحسّناً كبيراً من خلال التدرّب المستمر والأسلوب الذي أتّبعه من أجل تعليم الأطفال الانضباط».

تساعد التمرينات الأطفال الذين يعانون من مشاكل نفسية


هكذا، تساعد التمرينات أيضاً الأطفال الذين يعانون من مشاكل نفسية. فالرياضة تحوّل تلك الضغوط والمشاكل إلى مشاعر إيجابيّة تدعم شعور الرضا عند المرء وتساهم في تطوّر ثقته بنفسه. «هذا البطل يعاني من طيف توحد، الآن بات ملاكماً وبعد أسبوعين من إحضاره إلى هنا بدأ بالتحدث مع أصدقائه»، يخبرنا أبو سعيد عن طفل آخر في النادي. وتؤكد هديل، وهي أم لطفلين أصغرهما لم يتجاوز الثالثة من عمره، أنّ النادي ساعد ولديها في التواصل مع أترابهما، كما تأمل أن يسهم في تنمية قدراتهما على الدفاع عن نفسيهما.
يرفض أبو سعيد الحديث عن مخاوف من تنمية العنف لدى هؤلاء الأطفال، لافتاً إلى أنّ هذا النوع من الرياضة يسهم في تهذيب النفس قبل كل شيء، كما أنه يبعد الأفراد عن السلاح بكل أنواعه. «تتضاعف أهمية هذه الرياضة عند ممارسة الفتيات لها، لأنهن يحتجن إلى تعلم هذه المهارات، كما يحتجن لأن يدركن أنّ لديهنّ قوة للدفاع عن أنفسهن»، يؤكد أبو سعيد فيما ينظر بفخر إلى فتيات فريقه. لا تكترث الفتيات المتدربات في النادي للكلام الذي قد يسمعنه حول المشاركة في رياضة يعتبرها البعض «ذكورية». «نحن هنا لتقوية أجسادنا والدفاع عن أنفسنا ولتعلم مهارات عالمية»، تتحدث إحداهن فيما ترتب حجابها.


على الرغم من استقطاب ألعاب القوى لفئة كبيرة من سكان منطقة صور، إلا أنها لا تحظى باهتمامٍ كافٍ على صعيد البلدية أو الأحزاب المحلية. «أعتقد أن السبب هو أفضلية الألعاب الجماعية بالنسبة لهم لأنها أكثر جماهيرية»، يقول أبو سعيد معتبراً أنّ إدراك أهمية هذه الألعاب والخروج من الصورة النمطية العنيفة لها قد يدفع بعض الجهات إلى دعمها ورفع مستواها. حالياً تقتصر أنشطة النادي بالنسبة للأطفال على التدريبات الفردية، لأنّ المشاركة في البطولات العالمية تحتاج إلى مساندة. يتابع بحسرة: «شاركنا في السابق في بطولة آسيا، ولكن لم نتلقَّ أي دعم. لا يمكننا الاعتماد على التشجيع الذي نسمعه عند حصد الألقاب. على الجميع الإيمان بهذه الألعاب كرياضة».
يرفع الأطفال صوتهم فيما يعدّون خطواتهم السريعة رافعين القبضات. يبتسم مدربهم بفخر، مؤكداً أنّ سعادته بهم تعادل فرحته بتدريب الأبطال الدوليين: «إننا هنا، ومن خلال التدريب الجسدي والروحي للأطفال، نغلق باباً للسجن».