موسمٌ تاريخي عرفه فريق بايرن ميونيخ الألماني. النادي الذي اعتمد سياسات عديدة لاعتلاء المنصات الأوروبية من جديد، حقق أخيراً الهدف الذي وضعه عام 2013 (آخر مرة فاز بها بدوري الأبطال على حساب بروسيا دورتموند) بعدما أنهى مغامرة النادي الباريسي على استاد «دا لوز» في العاصمة البرتغالية لشبونة.

هو موسمٌ استثنائي بكلّ المقاييس، نظراً إلى تغييرات النادي الفنية، فالإدارية، ثم انتكاسة فيروس كورونا التي عصفت بالنشاط الكروي حول العالم تباعاً. عوائق كفيلة بأن تودي بموسم أيّ نادٍ في العالم، لكن بايرن ميونيخ هو بايرن ميونيخ. التتويج بلقب بطولة دوري أبطال أوروبا، جعل النادي البافاري يحقق الثلاثية هذا الموسم، بعد الفوز بلقب الدوري الألماني، وبطولة كأس ألمانيا، ليحقّق بايرن ميونيخ إنجاز حصد الثلاثية للمرة الثانية في تاريخه، بعد موسم (2012-2013).
لم تكن الطريق معبّدة أوروبياً أمام البافاريين، لكنّ الفريق تمكن من تجاوز أندية بحجم تشيلسي الإنكليزي، برشلونة الإسباني وليون الفرنسي بنتائج كبيرة وأداء مقنع. هكذا، وصل بايرن إلى نهائي الأبطال، ليواجه باريس سان جيرمان الفرنسي الذي تسلّح بحافز كتابة التاريخ في المرة الأولى التي يصل بها إلى نهائي البطولة الأعرق. لقاء بين منظومتَين شبه كاملتين أعطى النهائي بُعداً آخر.

غيّر بايرن ميونيخ أسلوب تعاقداته أخيراً من أجل التتويج الأوروبي


عرفت الدقائق الأولى من المباراة هفوات من كلا الفريقين، أظهرت مدى توتر اللاعبين، وقد أتيحت في الشوط الأول بعض الفرص السانحة للتسجيل، غير أنها لاقت تألق الحارسين، تحديداً الألماني مانويل نوير.
في الشوط الثاني، تحسّن البايرن أكثر وكان مسيطراً في أغلب الدقائق، وتمكّن من تسجيل هدف المباراة الأول والوحيد في الدقيقة 59 عبر لاعبه الفرنسي كينغسلي كومان. هدفٌ صمد حتى الدقائق الأخيرة بفعل حُسن إدارة الفريق من قِبل المدرب إضافةً إلى متانة المنظومة، التي شهدت تألّقاً واضحاً لأغلب لاعبيها، خاصةً تياغو ألكانتارا ومانويل نوير.
هكذا، تُوِّجَ بايرن ميونخ بلقب دوري أبطال أوروبا للمرة السادسة في تاريخه، بعد الأعوام (1974 و1975 و1976 و2001 و2013)، وأصبح أول فريق يتوج بلقب «تشامبيونز ليغ» من دون أن يتعرض لأيّ خسارة في موسم واحد للبطولة، منذ مانشستر يونايتد الإنكليزي في عام 2008، كما أنه بات النادي الوحيد الذي يحقّق البطولة منتصراً في جميع مبارياته (11 مباراة).
هذا اللقب ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة خطّة عملت عليها إدارة النادي البافاري لتحقيق لقب دوري الأبطال بعد سنواتٍ أوروبية عجاف.
يظهر جلياً اختلاف بطل أوروبا اليوم عن بطل أوروبا 2013. رغم أن النادي البافاري كان بطل المناسبتَين، غير أن الأسماء والأسلوب والسياسة المعتمدة في التعاقدات هي التي تغيّرت أخيراً. قرار تغيير سياسة التعاقدات، لم يتم بين ليلة وضحاها، بل كان بمثابة الطلقة الأخيرة بعد تجربة أكثر من سيناريو وخطة، بدءاً بتغيير فلسفة النادي الكروية (ظهر ذلك عند استقدام المدرب الإسباني بيب غوارديولا)، وصولاً إلى استقدام مدربين أصحاب تاريخ كبير في المسابقة الأوروبية بينهم الإيطالي كارلو أنشيلوتي. مع فشل المدربين أوروبياً، اتّجهت الإدارة لاستقدام لاعبين جدد من خارج الدوري الألماني، سعياً وراء الحلم الأوروبي.


في الأعوام الماضية، اعتمد بايرن ميونيخ على سياسة شراء نجوم الدوري الألماني بهدف إضعاف الخصوم. سياسة سمحت للبايرن بالسيطرة على الألقاب المحلية، غير أن الضريبة كانت حينها كبيرة، وهي الفشل الأوروبي. تغيّر الأسلوب هذا الموسم، وأصبحت الإدارة تعتمد على فلسفة قوامُها خلق التوازن بين الجيلَين المخضرم والشاب، مع استقدام مواهب من خارج بوندسليغا، ما عكس نجاحاً باهراً على مختلف المستويات. بدأ الأمر عندما كسر النادي البافاري الرقم القياسي لصفقات الدوري الألماني، بعد أن استقدم مدافع أتلتيكو مدريد الفرنسي لوكاس هيرنانديز مقابل 80 مليون يورو، ثم وقّع مع البرازيلي فيليبي كوتينيو وإيفان بيريسيتش. عرف الفريق بعض التقلبات في بداية الموسم، فتمّت إقالة المدرب السابق الكرواتي نيكو كوفاتش ليخلفه هانس ديتر فليك، مدرب الفريق الحالي وكاتب التاريخ برفقة البافاريين.
السياسة الجديدة التي تقضي بشراء النجوم من خارج الدوري الألماني، اعتُمدت لجلب إمكانيات تتوافق مع متطلّبات التتويج بدوري أبطال أوروبا، وهو رهانٌ نجحت فيه الإدارة بعد بنائها منظومة متكاملة تجمع بين المهارة والخبرة والفاعلية.
هو موسمٌ استثنائي أثبت مدى تميّز إدارة بايرن ميونيخ. ثلاثية تاريخية تُفيد بأن البايرن لا يزال الرقم الأصعب في ألمانيا، كما تؤكّد عودة العملاق البافاري إلى الواجهة الأوروبية من جديد.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا