لازال الكلام يدور على خطط ومستقبل برشلونة مع رونالد كومان، الذي عيّن الأربعاء الماضي، لمدة عامين، على رأس الجهاز الفني، خلفاً للمُقال كيكي سيتي؛ أول مدرب منذ سبعة عشر عاماً يقود النادي بدون تحقيق أي بطولة.

كانت الخسارة أمام بايرن ميونيخ الألماني بنتيجة (8-2)، الجمعة الماضية، أسوأ خسارة في تاريخ البلاوغرانا منذ ثمانية عقود، وتسببت في كمّ هائل من السخرية من النادي، خصوصاً من قبل مشجعي الغريم ريال مدريد، وكمّ أكثر من الغضب والسخط من قبل مشجعي النادي، ومنذ ذلك الحين، الأخبار تتوارد عن أبرز الأسماء المرشحة لخلافة سيتين؛ والصحف تتكهن بالأوفر حظاً من بين تلك الأسماء.
بلغة الهزيمة، تحدثت وسائل الإعلام من جديد عن الهدف القديم، ماوريسيو بوكيتينو، مدرب توتنهام السابق، باعتباره «الهدف الأول» لتدريب برشلونة، بحسب صحيفة «صن» البريطانية، بعد لقاء جمع المدرب الأرجنتيني برئيس النادي جوسيب بارتوميو، قبل أيام قليلة من الخسارة التاريخيّة. وذكرت صحيفة «سبورت» الإسبانية، أنه كان على اتصال دائم مع إدارة النادي منذ شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، وفق صحيفة «سبورت» الإسبانية، هذا برغم تصريح الأرجنتيني الشهير الذي كان لاعباً ومدرباً لإسبانيول، بأنه «يفضل أن يعمل في مزرعة» على أن يدرب غريم ناديه السابق في المدينة.

لا يُلام كومان على عدم تحقيقه أي ألقاب مع ناديّي إيفرتون وساوثهامتون الإنكليزيين


في الأثناء، كان كومان الأقل حظاً لدى وكلاء شركة المراهنات البريطانية «لادبروكس»، في تدريب نادي برشلونة، بعد بوكيتينو الذي كان على رأس القائمة، ولاعب النادي السابق ومدرب السد القطري تشافي هيرنانديز؛ ومناصفة مع مدرب ليدز يونايتيد الإنكليزي مارسيلو بيلسا؛ وأكثر حظاً فقط من مدرب المنتخب البلجيكي روبيرتو مارتينز. بالإضافة إلى أسماء أخرى لم تشملها المراهنات مثل مدرب اليوفي السابق ماسيميليانو أليغري، المرغوب منذ فترة طويلة لتدريب النادي، ومدير الأكاديمية باتريك كلايفرت، الذي كان مرشحاً لخلافة سيتيين بعد خسارة الدوري.
جاء وصول كومان الذي كان ينبغي أن يقود منتخب بلاده في نهائيات أمم أوروبا التي تأجلت إلى العام القادم، بفضل بند في عقده مع الاتحاد الهولندي لكرة القدم يسمح له بالرحيل عن منتخب «الطواحين» في حال وصول عرض من برشلونة، بشكل خاص، ما جعله خياراً أسهل وأسرع مقارنة بالأخرى، لكنه خيار ينطوي أيضاً على العديد من المسائل التاريخيّة والنوستالجيّة مع لاعب البلوغرانا السابق.

الكرة الشاملة
كان رينوس ميشيلز أول مدرب هولندي يقود برشلونة، بعد فوزه مباشرةً بكأس الأندية الأوروبية البطلة مع أياكس، في عام 1971. جاء ميشيلز وجلب معه فلسفة الكرة الشاملة، لكنه لم يتمكّن من إنهاء القطيعة، المستمرة منذ عام 1960 عندما حقق هيلينو هيريرا آخر بطولة دوري، إلّا بعد ضم لاعبه السابق في أياكس، يوهان كرويف، عام 1973. بفضل أول لاعب هولندي، في تاريخ برشلونة، مع أول مدرب هولندي، عاد اللقب الغائب عن خزائن النادي منذ أربعة عشر عاماً.
إنجاز نال عليه كرويف لقب «إل سلفادور»، بمعنى المخلّص، وسيتعزز بعد عودته إلى تدريب النادي عام 1988. جاء كرويف مدرباً، ووجد أمامه أجواء متوترة ونادياً مديوناً لم يحقق الدوري سوى مرة واحدة (85-1984) منذ البطولة التي تحققت بفضله قبل عقد ونصف (74-1973)، وقام بدور المنقذ من جديد. خلال ثمان سنوات، طوّر كرويف فلسفة الكرة الشاملة بشكل هجومي، وحقق إحدى عشرة بطولة، من بينها بطولة دوري الأبطال للمرة الأولى في تاريخ النادي (بفضل هدف كومان الحاسم).
لكن إنجازات كرويف لا تتوقف هنا، بل تتعداها إلى إرساء عقلية الفوز، وهوية كروية قائمة على أسلوب التيكي تاكا، والتمرير، والاستحواذ على الكرة، وقبل كل شيء، التواضع من أجل التعلم. هذا إلى جوار، مساهمته في تأسيس أكاديمية «لاماسيا» التي أنتجت أجيالاً من نجوم الفريق الأول منذ تسعينات القرن الماضي.


على نفس منوال ميشيلز وكرويف، جاء لويس فان غال من أياكس لتدريب برشلونة عام 1997، حاملاً معه لقب دوري الأبطال، الذي حققه قبل عامين بفضل مجموعة أغلبها في بداية العشرينات من عمرها. في موسمه الأول، جلب فان غال لاعبين هولنديين، ميشيل ريزيغر ورود هيسب، لكن تحقيقه لثلاثة ألقاب في موسه الأول، شرّع الباب على مصراعيه لقدوم ستة هولنديين آخرين، أبرزهم كلايفرت وفرانك دي بور، حتى أصبحت التشكيلة الأساسية تعتمد عليهم أكثر من الإسبان.
رغم تحقيقه الدوري مجدداً في الموسم الثاني، فإنّ بوادر أزمة بدأت في غرف تبديل الملابس، ودخل فان غال موسمه الثالث بصدام مع وسائل الإعلام، وتعرض لانتقادات كثيرة، تدور بشكل خاص حول تأزم علاقته بالنجم البرازيلي ريفالدو، الذي لم يكن راضياً على إشراكه كجناح أيسر. وانتهى الأمر إلى إقالته نهاية الموسم.
يروي نجم المنتخب الفرنسي وبطل كأس العالم 1998، مانويل بوتي، الذي جاء إلى برشلونة بعد رحيل فان غال، أنه كان ضحية العنصرية في الحرب الدائرة بين الكتالونيين والهولنديين في غرف تبديل الملابس، ما تسبب في رحيله إلى تشلسي بعد عام واحد فقط في الكامب نو.
بعد فان غال، عاش برشلونة فترة صعبة، طوال ثلاث سنوات، بما فيها عودة فان غال في صيف 2002، قبل أن يستقيل منتصف الموسم. لكن في العام التالي، مع فوز خوان لابورتا برئاسة النادي، جاء هولندي آخر لتدريب النادي: فرانك ريكارد. مدرب هولندي شاب، تدرب بدوره تحت قيادة ميشيلز وكرويف وفان غال في المنتخب الهولندي ونادي أياكس، وليس في رصيده سوى هبوط نادي سبارتا روتردام الهولندي إلى الدرجة الثانية! لكن نجم ميلان السابق، سيُرسي فلسفة جديدة قائمة على المتعة، ويحقق دوري الأبطال للمرة الثانية في تاريخ النادي.
منذ أول مدرب هولندي درب برشلونة، كانت كل البطولات المحلية (ودوري الأبطال) تأتي عبر المدربين الهولنديين، باستثناء بطولة 1985 مع المدرب الإنكليزي تيري فينابلز. لكن كل شيء تغير عام 2008 بعد تعيين بيب غوارديولا؛ أول مدرب إسباني يحقق الدوري منذ عام 1945، وأول مدرب إسباني يحقق بطولة الدوري مرتين على التوالي، وأول مدرب إسباني يفوز بدوري الأبطال، وحطم رقم كرويف الأسطوري (إحدى عشرة بطولة)، بتحقيقه أربع عشرة بطولة من أصل تسع عشرة ممكنة، في ظرف أربع سنوات فقط.

عودة «بطل ويبملي» للمرة الثالثة
تعيين كومان يمثل انتهاء هذه القطيعة مع الهولنديين منذ عهد غوارديولا. كان «رامبو» مساعداً لمواطنه لويس فان غال، بين عامي 1998 و1999، في تدريب نادي برشلونة. وقبل ذلك، كان لاعباً، على مدار ست سنوات في «فريق الأحلام»، بداية تسعينات القرن الماضي، عندما جلبه مواطنه كرويف عام 1989، وحققواً معاً أربع بطولات دوري متتالية (94-1990). مع برشلونة، عُرف كومان بكثرة أهدافه (67 هدفاً في 192 مبارة) بالنسبة إلى مدافع متأخر (ليبرو)، أشهرها هدفه الصاروخي من ضربة حرة في الوقت بدل الضائع ضد سامبدوريا، في نهائي آخر نسخة من المسمّى القديم لدوري الأبطال (كأس الأندية الأوروبية البطلة) عام 1992، في استاد ويبملي.
تجري العادة، أن تلجأ الأندية في نكساتها إلى لاعبيها السابقين، مثلما حدث مؤخراً عندما عيّن اليوفي أندريا بيرلو (وأنتونيو كونتي في وقت) مدرباً للفريق. وبنفس المبدأ، هناك اليوم، زين الدين زيدان في ريال مدريد، دييغو سيميوني في أتلتيكو مدريد، فرانك لامبارد في تشلسي، أولي غونار سولشيار في مانشستر يونايتيد، سيموني اينزاغي في لاتسيو، وإلخ. وبرشلونة ليس استثناء من هذه القاعدة، بل يعرف جيداً كيف صنع المجد مع لاعبه السابق غوارديولا الذي كان معدوم الخبرة التدريبيّة، ولم يكن في سجله سوى عام واحد فقط في تدريب الفريق الثاني. واليوم، يعين هينريك لارسون، الرجل الذي يغير مسار نهائي باريس عام 2006 ضد آرسنال الإنكليزي، مساعداً لـ«بطل ويمبلي»، بعد أن تلاشت الحلول الإسبانية.
كان كومان الأقل حظاً لدى وكلاء شركة المراهنات البريطانية «لادبروكس» للوصول إلى كاتالونيا


عودة كومان مزيج من التاريخ الهولندي الطويل في برشلونة، بدءاً من الحنين إلى الحِقب الهولنديّة، والكرة الشاملة بمعناها الهولندي، خصوصاً أنه واحد من تلاميذ كرويف، وصولاً إلى الإيمان بفكرة المنقذ التي كانت مرتبطة بكرويف لاعباً ومدرباً. يبدو خياراً جيداً لهذه المرحلة، فمن جهة هو مدرب قنوع ويتكيّف مع ما لديه من لاعبين ويعمل على تنشئة المواهب، ومن جهة أخرى صاحب خبرة طويلة، وفي نفس الوقت متعطش للألقاب، على غرار ريكارد، حيث لم يحقّق أي بطولة منذ أكثر من عقد من الزمان، كان آخرها درع يوهان كرويف (كأس السوبر الهولندي) عام 2009 مع نادي ألكمار.
كانت بداية كومان التدريبية مُبهرة، عام 2002، عندما حقق ثلاث بطولات مع أياكس في أقل من عام، قبل أن يحقق الدوري مرة ثانية بعد موسمين، ومرة ثالثة مع أندهوفين عام 2007. لكن تجاربه الخارجية اقتصرت على تحقيق السوبر البرتغالي مع بنفيكا (2005)، وكأس ملك إسبانيا مع فالنسيا (2008)، الذي يعتبر أكبر إنجاز في مسيرته، رغم أنه كاد يكلف «الخفافيش» الهبوط إلى الدرجة الثانية.
مع هذا، لا يُلام كومان على عدم تحقيقه أي ألقاب مع ناديّي إيفرتون وساوثهامتون الإنكليزيين، بل على العكس يعتبر وصوله سادساً مع الأخير إنجاز على نطاق واسع، كما تُعتبر فترة تدريبه لفينورد الهولندي هي ما وضع النادي على سكة اللقب الذي تحقق على يد سلف سلفه، جيوفاني فان برونكهورست، بعد ثمانية عشر عاماً من غيابه عن خزائن النادي. لكن كل هذه الحجج والأعذار لن تكون مقبولة عند برشلونة، جمهوراً وإدارة، الذي لا يعرف سوى لغة الألقاب، المقرونة بالمتعة والإقناع.
يتسلم كومان تدريب برشلونة، وبين أفراد كتيبته الموهبة الهولندية الشابة فرانكي دي يونغ، الذي كلف النادي 75 مليون يورو الصيف الماضي، وفي ظل رحيل محتمل لعدد كبير من نجوم الفريق، بما في ذلك لويس سواريز وجيرارد بيكيه وسيرجيو بوسكويتس، يضع المدرب الجديد لاعب وسط أياكس دوني فان دي بيك على رأس أولوياته، من أجل تدعيم خط الوسط الذي سيتغير بشكل جذري، كما يدور الكلام أيضاً عن جناح ليون ميمفيس ديباي، لتدعيم التشكيلة التي تحتاج إلى عدد من المواهب الهولنديّة لتكتمل الصورة.
صورة هولندية، نمت منذ العام الماضي، بعد ضم دي يونغ وتعيين كلايفرت في النادي، وتعززت اليوم مع وصول كومان، في انتظار، على الأقل، نجم هولندي آخر سينضم إلى التشكيلة. والمطلوب عودة الانتصارات وإنقاذ النادي، على طريقة كرويف، وضمان فوز الرئيس الحالي بارتوميو في انتخابات رئاسة النادي في الصيف المقبل، أمام مجموعة من المرشحين يفضلون خيار تشافي على رأس الفريق، بدلاً من كومان الذي رفضه 70% من جماهير برشلونة في استفتاء أجرته صحيفة «موندو ديبورتيفو» الكتالونية الأسبوع الماضي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا