في أحد أحياء مدينة مالمو السويدية منذ 38 عاماً، أبصر طفلٌ صغير النور، غير مدركٍ أنه سيصبح في ما بعد أهم لاعب كرة قدم عرفته بلاده، أو لعله كان يدرك ذلك، فثقة زلاتان إبراهيموفيتش بنفسه ويقينه التام بأنه الأفضل لمعا منذ عمر مبكر. سواء كان الشخص محبّاً له أم كارهاً، لا يمكن إنكار أنّ «السلطان» السويدي هو من أفضل من أنجبتهم اللعبة، رغم تصريحاته الغريبة وشخصيته المثيرة للجدل دائماً. قد يكون زلاتان أكثر لاعب وُصف بالغرور، إلا أنه أثبت أن تبجّحه بنفسه لم يكن يوماً عن عبث. بعمر الـ38، لا يزال في قبعة الساحر السويدي بعض «الحِيل» الكروية، التي تستمر في إبهار جمهور اللعبة حول العالم.

حطّم زلاتان الكثير من الأرقام القياسية (عن الويب)

رغم أنّ السويدي نشأ في أفقر ضواحي السويد، إلا أنّه أراد عبر نجاحه أن يلهم أولئك المحبطين ليؤمنوا بأنّه باستطاعتهم أن يتبعوا أحلامهم، بغض النظر عن ظروفهم البائسة. زلاتان ولد لأب بوسنيّ مدمن على الكحول وأم كرواتية، لذا فهو نشأ في وسط عائلي كثير الخلافات، حتى انفصل والداه وهو في عمر الثانية فقط. شخصيته القوية والمغرورة برزت منذ صباه، حيث كان يتصرف بتعال على زملائه في المدرسة، كما كان يسرق الدراجات الهوائية. إلا انّ الأمر لم يقتصر على ذلك، فثقة ابراهيموفيتش الكبيرة بنفسه رافقته مع بداية مسيرته في كرة القدم. كان يعلم مدى جودته كلاعب، ولم يرضَ بتقديم أي شكل من أشكال التنازلات. «زلاتان إبراهيموفيتش لا يقوم بتجارب أداء»، هكذا ردّ الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره على آرسين فينغر، مدرب آرسنال الإنكليزي السابق، عندما أراد اختباره مدة قصيرة قبل اتخاذ قرار التعاقد معه.
بدأ السويدي مسيرته الطويلة كلاعب كرة قدم مع نادي مدينته «مالمو»، حيث لعب معه 3 مواسم، مسجّلاً 16 هدفاً. لكن بعيداً عن بدايته العادية من حيث المستوى، إلا أنّ نجمه لمع في جميع الفرق التي لعب لصالحها بعد ذلك. من السويد إلى هولندا ثم إيطاليا، مروراً بإسبانيا، ثم فرنسا وليس انتهاءً بالولايات المتحدة الأميركية، صولات زلاتان وجولاته في أوروبا وأميركا أسهمت في تحقيقه شهرة كبيرة ونجاحاً عظيماً، محقّقاً الدوري المحلي أينما حطّ رحاله. بعد مالمو السويدي، انتقل زلاتان إلى أياكس أمستردام الهولندي حيث بقي هناك لأربعة مواسم، قبل أن يغيّر وجهته إلى إيطاليا وينضم إلى نادي يوفنتوس لمدة موسمين، حيث نال شهرة واسعة. إلا أنه بعد فضيحة الكالتشيو بولي عام 2006 وهبوط نادي يوفنتوس إلى الدرجة الثانية، رحل عن الفريق إلى إنتر ميلانو، ثم بعدها إلى برشلونة في أقصر تجاربه بعد توتر علاقته مع المدرب الاسباني بيب غوارديولا. عاد زلاتان إلى ايطاليا من جديد، وهذه المرة لصالح نادي ميلان في صفقة جعلت منه أحد أعلى اللاعبين أجراً في العالم، قبل أن ينتقل إلى «عاصمة الأنوار» حيث تألق مع نادي باريس سان جيرمان، مسجّلاً 156 هدفاً في 180 مباراة مع النادي الباريسي الذي أصبح هدّافه التاريخي. نزعة «الأنا» الموجودة لديه رافقته بطبيعة الحال خلال تنقله بين الأندية، فعندما وصل إلى فرنسا في صيف عام 2012 ، قال زلاتان: «أنا لا أعرف الكثير عن اللاعبين هنا في دوري الدرجة الأولى الفرنسي، لكنهم يعرفون بالتأكيد من أنا!».
يواصل زلاتان التألّق في الملاعب الاميركية وهو بسن الـ38


وكأنّ زلاتان لم يكتفِ بالأرقام القياسية الكثيرة التي حقّقها مع نادي العاصمة الفرنسية، إذ قرر الانتقال بعد 4 مواسم إلى مانشستر يونايتد الانكليزي، ليحقق المزيد من الألقاب برفقتهم، قبل مغادرة القارة العجوز للالتحاق بناديه الحالي لوس أنجلوس غالاكسي الأميركي. ورغم أنّ السويدي الذي يعتبر نفسه «إله» اللعبة وصل إلى النادي الأميركي بعمر السادسة والثلاثين، إلا أنّ ذلك لم يمنعه من مواصلة كتابة مجده، إذ نجح في تسجيل 50 هدفاً في 54 مباراة لعبها مع الفريق، ليخبر العالم بأنّ نزعته الهجومية ونهمه التهديفي لم يتراجعا مع تقدّمه في العمر.
وفي وقت ينجح فيه الكثير من اللاعبين العالميين في التألق مع أنديتهم مقابل فشلهم في تحقيق إنجازات لافتة مع منتخباتهم الوطنية، مثل الأرجنتيني ليونيل ميسي، إلا أنّ السويدي أثبت أنه قادر على كتابة التاريخ على الصعيدين المحلي والدولي. زلاتان الذي اختار تشكيلته المثالية عبر تاريخ كرة القدم والمكوّنة من 11 لاعباً، جميعهم زلاتان نفسه، مثّل السويد في نهائيات كأس العالم لعامي 2002 و2006، إلى جانب بطولات أمم أوروبا في 4 نسخات، أصبح الهداف التاريخي لمنتخب بلاده برصيد 62 هدفاً. كما حصل على جائزة أفضل لاعب سويدي 11 مرة (وهو رقم قياسي)، من ضمنها 10 مرات متتالية من عام 2007 إلى 2016، وهو عام اعتزاله اللعب الدولي.
هل زلاتان إذاً مجرد مهاجم عادي؟ بالطبع لا. إنه دليل حي على أنّ العمر هو مجرد رقم، فهو لا يزال يبدع داخل الملاعب موسماً تلو الآخر. قد يكون لاعباً مغروراً، إلا أنّ تحت «أناه» المتضخمة تكمن موهبة نادرة لا يمكن الاستخفاف بها. إنجازاته الاستثنائية التي يستمر في تحقيقها هي نتاج عمله الدؤوب وإيمانه العميق بنفسه، والأكيد أنه أينما انتهى المطاف به، فإنه سيكون دائماً حاضراً للتباهي بدكّ الشباك.