قبل 21 عاماً، وتحديداً في الثالث عشر من شهر تموز في نصف نهائي كأس العالم 1994، كان أنطونيو كونتي في قمة فرحته مع زملائه في المنتخب الإيطالي بعد الفوز على بلغاريا 2-1 والتأهل إلى نهائي المونديال الذي خسروه أمام البرازيل. أما أول من أمس، فبالتأكيد اختلف المشهد بعد نهاية المباراة أمام بلغاريا نفسها في تصفيات كأس أوروبا 2016 بين كونتي المدرب الآن وكونتي اللاعب قبل 21 عاماً، عندما تعادل منتخبه في الدقائق الأخيرة 2-2.


هذه المقارنة التاريخية أمام الخصم ذاته تلخّص الحال التي وصل إليها «سكوادرا آتزورا» في هذه الأيام. الدليل الأهم على ذلك أن بلغاريا نفسها تبدو مختلفة الآن بأشواط عن بلغاريا 94. في 2015 بات المنتخب البلغاري يعدّ في الصف الثالث في أوروبا، لكن رغم ذلك فإن إيطاليا لم تقوَ على هزيمته، بل كادت هي أن تتلقى الخسارة. أما في 1994 فكانت بلغاريا تملك أهم جيل في تاريخها بوجود أسطورتها هريستو ستويتشكويف وإلى جانبه أسماء مثل إميل كوستادينوف وكراسيمير بالاكوف ويوردان ليتشكوف، وقد أطاحت في ربع النهائي المنتخب الألماني بطل العالم وقتذاك، غير أنها عجزت في تلك المباراة أمام الطليان بتكرار الإنجاز التاريخي، لماذا؟ لأن إيطاليا كانت تمتلك سحرة على شاكلة روبرتو باجيو، على عكس الآن. لأن ايطاليا كانت تمتلك نجوماً أفذاذاً على شاكلة باولو مالديني واليساندرو كوستاكورتا وروبرتو دونادوني وغيرهم الكثير، على عكس الآن.
ما هو واضح أن بطل العالم 4 مرات يعيش أزمة جيل ومواهب في الوقت الحالي بعد تراجعه بصورة مخيفة منذ آخر ألقابه المونديالة في 2006 مع توالي اعتزال نجوم تلك الحقبة، حتى بتنا الآن أمام منتخب غير مقنع على الإطلاق ولا يشبه صورة «الآزوري» المرعبة للخصوم. حتى إنه لا يقوى على الفوز على منتخبات ضعيفة جداً مثل مالطا بأكثر من هدف وحيد، وعلى ملعبه على آذربيجان بأكثر من 2-1، بينما نجد أن هذه الأخيرة خسرت مثلاً أمام كرواتيا التي انتزعت صدارة المجموعة الثامنة من ايطاليا بسداسية.


لا يمكن تحميل كونتي المسؤولية، وذلك لتراجع إيطاليا في تخريج المواهب

بالتأكيد لا يمكن تحميل كونتي المسؤولية عن هذه الحال. الرجل يحاول البناء على ما يمتلكه بين يديه في هذه المرحلة الانتقالية بين جيل وآخر، إلا أن المشكلة الحقيقية أنه لا يعثر على المواهب القادرة على تطبيق فلسفته التي عرفت النجاح مع فريق يوفنتوس وقادته الى تحمل مسؤولية الإدارة الفنية لمنتخب بلاده.
في حقيقة الأمر، كونتي ومنتخبه يدفعان حالياً ثمن مشاكل الكرة الإيطالية ككل على المستويين الإداري من فساد وضعف قدرات المسؤولين، والفني من خلال هبوط مستوى الدوري الإيطالي على نحو كبير، وهذا ما أثّر في اللاعب المحلي تحديداً لناحية كثرة اللاعبين الأجانب من الصف الثاني، على عكس السنوات الأخيرة التي عرفت نسبة أقل منهم لكن بجودة أعلى. فبدلاً من أن يستفيد الشبان الإيطاليون من اللعب إلى جانب نجوم على شاكلة البرازيلي رونالدو والأرجنتيني غابرييل باتيستوتا والأوكراني اندريه شيفتشنكو، وصل بهم الأمر إلى ألا يجدوا مكاناً لهم في فرقهم لمصلحة لاعبين أجانب عاديين.
هذه السياسة أدت الى عدم إيلاء الفرق، تحديداً الكبرى منها، الاهتمام بالمواهب وتخريجها ليستفيد المنتخب الوطني منها، لتخرج أصوات في إيطاليا مطالبة باعتماد نموذج الكرة الألمانية بتقليص عدد اللاعبين الأجانب وتقوية قطاعات الناشئين في الفرق، وهذا ما أدى إلى استعادة ألمانيا قوتها الكروية على صعيد الأندية والمنتخب.
إزاء هذا الواقع الذي لفت إليه نجم «الآزوري» السابق وبطل العالم في 2006 أليساندرو دل بييرو قبل فترة وجيزة بقوله: «الكرة الإيطالية تمرّ بمرحلة صعبة حالياً. إنها ليست بالمستوى الذي يجدر أن تكون عليه. ليس لديناا حالياً منتخب بالقوة التي كان عليها قبل 10 أو 15 عاماً»، اتجه كونتي أخيراً إلى استدعاء لاعبين مجنسين في الدوري الإيطالي هما البرازيلي إيدر مارتينيز والأرجنتيني فرانكو فاسكيز، وهذا ما أثار موجة اعتراض واسعة في البلاد، تحديداً من المدرب التاريخي أريغو ساكي ومدرب انتر ميلانو الحالي روبرتو مانشيني، وهذا ما يؤكد الأزمة العميقة لكرة إيطاليا واللجوء إلى حلول غير مدروسة، على عكس الكرتين الألمانية والفرنسية مثلاً اللتين استفادتا من لاعبين مهاجرين ولدوا في البلدين وتلقوا منذ الطفولة أبجديات الكرة في مدارسهما وفق خطط بعيدة المدى بدأت مع ألمانيا مثلاً منذ الخروج من دور المجموعات لكأس أوروبا عام 2000 وأنتجت في 2010 جيلاً قوياً يعدّ مزيجاً بين المهاجرين والمحليين.
لا شك في أن كونتي في موقف لا يحسد عليه أمام كل هذه المشاكل، وفي هذا الوقت من تاريخ الكرة الإيطالية. الرجل يبدو مصمّماً على مواصلة الأمل والعمل، لكن يجدر بإيطاليا كلها أن تعمل معه، إذ إن «يداً واحداً لا تصفّق».