طلبت المديرية العامة للأمن العام من مصرف لبنان تحويل مبلغ 15 مليون دولار إلى الخارج لشراء نحو مليون جواز سفر ومستلزمات طباعتها. مصرف لبنان رفض أن يحوّل المبلغ طالما أن الأمن العام سيسدّد الثمن على سعر صرف 1507.5 ليرات وسطياً. فهو يريد تحويل الاعتمادات التي رُصدت له بقيمة 22 مليار ليرة إلى 15 مليون دولار. لكن لمصرف لبنان رأي آخر. فهذا الأخير خاض الكثير من المعارك في سبيل إنهاء تسعيرة الـ 1507.5 ليرات للدولار، سواء من خلال رفع الدعم، والدولار الدبلوماسي، وحتى دولار أدوية السرطان... يريد أن يحوّلها كلّها إلى سعر منصّة صيرفة الذي بلغ أمس 20200 ليرة، أي أن الاعتمادات المرصودة لشراء الباسبورات لا تصل إلى 1.1 مليون دولار. عملياً ينسف «المركزي» طلبية الأمن العام من أساسها.

وفق معلومات «الأخبار»، فإن مخزون جوازات السفر الحالي لدى الأمن العام لم يعد كافياً لتلبية كل الطلبات المقدّمة للاستحصال على جوازٍ جديد أو تجديد القديم منها. وحتى وإن حوّل «المركزي» اليوم مبلغ الـ 15 مليون دولار المطلوبة، فإن الكمية المتبقية من الجوازات في المديرية ستنفد قبل وصول دفعة الجوازات الجديدة ومستلزمات طباعتها من الخارج.

(هيثم الموسوي)

هذا يعني أن كل يوم تأخير في تحويل الأموال المطلوبة يعمّق أزمة اللبنانيين في الحصول على جوازاتهم. لكنه أيضاً يكشف عن حجم الأزمة التي تمرّ بها إدارات الدولة بسبب الانهيار الذي ترفض قوى السلطة الاعتراف به حتى الآن. فالأزمة انعكست تجاوزاً للدستور في مجلس الوزراء وتعدّياً على صلاحيات مجلس النواب. وقد تبيّن أن مجلس الوزراء قرّر في جلسته الأخيرة رفع رسوم إصدار جوازات السفر من دون أن ينتظر إقرار هذه الزيادة في مشروع موازنة 2022 التي أقرّها المجلس قبل أيام. لا بل صدر عن مجلس الوزراء المرسوم 8839 القاضي بزيادة الرسم من 300 ألف ليرة إلى 600 ألف ليرة لجوازات الـ 5 سنوات، ومن 500 ألف ليرة إلى مليون و200 ألف ليرة لجوازات الـ 10 سنوات.
بدورها، أصدرت المديرية العامة للأمن العام، مساء الأحد الماضي، بياناً يبرّر ما قام به مجلس الوزراء من مخالفة دستورية، فأشارت إلى تعذّر تسيير كلّ طلبات جوازات السفر لأسباب إدارية وتقنية ولوجستية بسبب «الضغط الذي فاق كل التوقعات وأثّر سلباً على مخزون الجوازات»، لافتة إلى أنّها اتخذت الإجراءات اللازمة لتأمين جوازات سفر تكفي للسنوات المقبلة، وأحالت المعاملات الرسمية إلى الحكومة لتأمين التمويل. وفي صباح اليوم التالي، استندت المديرية إلى المرسوم 8839 لتزيد رسوم جواز السفر.
لم تنتظر «حكومة الإنقاذ» كما يسميها رئيسها، إقرار الموازنة العامة لعام 2022، والتي أدرج فيها تعديل رسوم جوازات السفر، بل قرّرت التطاول على صلاحيات مجلس النواب «متخطية بذلك صلاحيات هذا المجلس، إذ إن الرسوم الواردة في المرسوم هي في الأصل محددة ومقرّة بقانون نافذ في موازنة عام 2018 وتعديلاته في موازنة عام 2019، ولا يجوز تعديلها بمرسوم حكومي، بل بقوانين نافذة من مجلس النواب، علماً بأن الحكومة وفي إحالتها لمرسوم مشروع موازنة العام 2022 إلى مجلس النواب، كانت قد اقترحت هذه التعديلات على الرسوم، ويتوجب عليها انتظار إقرار المجلس لقانون الموازنة حتى تتمكن من استيفاء الرسوم استناداً إلى النص القانوني الجديد». وفق ما جاء في بيان للنائب حسن فضل الله، الذي طالب الحكومة بسحب مرسومها فوراً والإبقاء على رسوم الجوازات على حالها إلى حين إقرار الموازنة في مجلس النواب.
مخزون جوازات السفر لدى الأمن العام لم يعد كافياً لتلبية كل الطلبات المقدّمة


ويستدل القانونيون على هذه المخالفة بالقانون 46 الصادر في عام 1988 وعنوانه «فتح اعتماد إضافي في مشروع موازنة وزارة الداخلية، المديرية العامة للأمن العام، لعام 1988 لتأمين بعض النفقات الملحة وتعديل المادة السابعة من قانون تنظيم جوازات السفر رقم 11-68 تاريخ 8-1-1968 وتعديل قيمة بعض رسوم الأمن العام». فالمادة الرابعة من هذا القانون تحدّد رسوم إصدار جواز السفر العادي الذي لا يحمل رقماً مميزاً، وهي المادة التي عدّلت رسوم جواز السفر بموجب قانون 144 في عام 2019، وعدّلت أيضاً بموجب قانون 79 في عام 2018.
المخالفة الدستورية قابلها تعنّت من قبل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الرافض لتحويل المبالغ المطلوبة لشراء جوازات السفر ومستلزمات طباعتها. فالرجل يتحكّم باحتياطات الدولار ولمن يدفع أو لا يدفع. الحكومة تركت له صناعة القرار الذي يلائمه من دون أي تدخّل. وهو يواصل القيام بما تمليه عليه مصالحه المصرفية والخاصة. فهو مدّعى عليه في عدد من الدول الأوروبية، ويرفض التحقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان... وكل ذلك يقوم به بحماية قوى السلطة.
أما الضرر اللاحق باللبنانيين، فأمر يكاد لا يذكر في يوميات قوى السلطة والحاكم إلا من باب الحسرة. فهم يعرقلون مصالح شريحة كبيرة من اللبنانيين يتوقف عملهم على حيازة جواز سفر وقد لا تنطبق عليهم المعايير الاستنسابية التي أقرّها الأمن العام. والحكومة تلاقيه من خلال ابتكار أساليب لسرقة المواطنين وتقدّمها على أنها حلول.