لم يعُد رياض سلامة ذاك المارد الذي تنحني أمامه رؤوس كبيرة. دارت الأيام دورتها وصار سلامة مجرّد مدير لمصرف مركزي مفلس. خلال عام واحد تحوّل صاحب عبارة «الليرة بخير ولا تتأثر بالأزمات السياسية أو الاقتصادية» (٤ تشرين الأول ٢٠١٨، عبر برنامج «صار الوقت») إلى واحد من الشخصيات الأكثر بغضاً في لبنان. منذ ١٧ تشرين الأول، صار هو أحد «أيقونات» الثورة. صُوره بالقرون لا تزال تملأ الحيطان في وسط بيروت وعلى مقربة من المصرف المركزي. تظاهرات عديدة كان هو عنوانها. طالبه الناس بالرحيل، أسوة بكلّ قيادات المنظومة التي أفقرت البلد. أصوات الطناجر أمام المقرّ الرئيسي للمصرف لم يصل صداها إلى أذنَيه.

(حسن بليبل)

ظلّ في الأعلى جالساً في مقعده الوثير ومكتبه الفاخر يسمع شتى أنواع السباب والذم، ظاناً أن السماء تمطر. لم تكن تمطر لكنّه لم يجد ما يستدعي الانسحاب. اعتبر ذلك فعلاً بطولياً يمارسه قلة من رجال الدولة. أخطأ بتقديره. انتهى زمن رياض سلامة رسمياً عندما توقفت الحكومة عن دفع سندات اليوروبوندز. هنا يعتبر أحد المقرّبين منه أنه كان عليه الرحيل أو الموافقة على عزله. لكنّ رجلاً من طينة سلامة عاش عمره وليّاً لبيت المال، لم يكُن سهلاً عليه الخروج مطأطأ الرأس، متحمّلاً مسؤولية أفعاله. كان المايسترو، لكنّ فرقة السارقين كانت كبيرة. عشرات وربما مئات من أصحاب الثروة والنفوذ، سياسيين ومصرفيين ورجال أعمال، كلّهم كان لهم نصيبهم من نِعم سلامة. كلٌّ ثمنه معروف، وقد يبدأ بقرض بصفر في المئة فائدة، أو برعاية لمهرجان أو جمعية، ويصل إلى هندسة مالية يُستفاد منها بالمليارات. لم يُخيّب ظنّ أحد من أبناء النظام، في سبيل استمرار بقائه مرشداً أعلى. لم يخيّب ظن الأميركيين أيضاً. ظلّ الأمين على مصالحهم.
منذ لحظة التوقف عن الدفع، اختلف الأمر. ماذا يفعل مدير السياسة النقدية عندما تتوقّف الحكومة عن دفع الديون؟ بطولاته كان عنوانها واحداً: استقطاب رؤوس الأموال بإغراء الفوائد، مقابل ديمومة الدين. التوقّف عند الدفع كسر هذه الحلقة، فلا المستثمر صار مستعدّاً لرمي أمواله في نظام تصنيفُه سلبي، والدائن ليس مستعدّاً لأن يقدّم فلساً واحداً لبلد متخلّف عن السداد. لم يرحل سلامة هنا، لأن الدولة العميقة لم تتخلَّ عنه. لكنه مع ذلك فقد عصاه السحرية، بعدما كان بدأ يخسر قدرته على الإمساك بها منذ صيف ٢٠١٩. قبلها تمكّن «الكشتبنجي»، القادر على نقل الطرابيش بين الرؤوس بخفّة السحرة، من إيهام الناس بأنه تخطّى كل الضغوط التي خلّفتها الظروف السياسية (سنتان من الفراغ الرئاسي، اختطاف رئيس الحكومة، أشهر من الفراغ الحكومي…)، لكنه لم يستطِع هضم آثار العقوبات الأميركية التي تُوّجت بإفلاس بنك الجمّال. لم تكن تعنيه كلفة أعماله على الاقتصاد. المهم شراء الوقت بأيّ ثمن، بذريعة ضمان استمرارية تدفّق الدولارات. تلك وجهة لم يتخلّ عنها سلامة لا قبل ١٧ تشرين ولا بعده.
لم تكن تعنيه كلفة أعماله على الاقتصاد. المهم شراء الوقت بأي ثمن


صحيح أن الليرة بدأت تفقد بعضاً من قيمتها في أيلول 2019. لكنه كان يُطمئن دوماً بأن الأمور تحت السيطرة. في هذه الأثناء كانت مليارات الدولارات تُهرَّب من البلد، لكن ذلك لم يفقِد سلامة ثقته بقدراته. حتى في ١٧ تشرين لم تخنه هذه الثقة. استشار من يثق بهم فطمأنوه. من لم يطمئنوه هم أبناء ملّته أنفسهم. جمعية المصارف قررت الإغلاق (يُزعم أنها فعلت ذلك من دون موافقته)، فتسارع الانهيار. استقالة سعد الحريري فاقمت الوضع سوءاً، خاصة أنها ترافقت مع ٥٠ يوماً من تصريف الأعمال قبل تكليف حسان دياب.
عبثاً حاول سلامة، الذي كان يحضّر لهندسة مالية جديدة، الضغط على الحكومة ورئاسة الجمهورية لدفع فوائد الدين. كان يعتقد أنه لا يزال بإمكانه شراء الوقت، لكنّهما لم يُغامرا بـ٤ مليارات دولار، لم يكن دفعها للدائنين ليغيّر من حقيقة أن البلد لم يعد جاذباً للدولارات.
بعد نحو سنة من الدخول في نفق الانهيار، لم تفعل السلطة السياسية ولا النقدية شيئاً للخروج منه. حرفياً لم تفعلا شيئاً، سوى شراء الوقت أيضاً وأيضاً. عمد سلامة إلى تمويل استيراد المواد الأساسية على سعر ١٥١٥ ليرة للدولار، علّ اتفاقاً ما يُنجز ويسمح بعودة الأموال الخارجية. لكنه شعر أن حكومة دياب تترنّح، فعاجلها بضربة عدم القدرة على استمرار الدعم. منذ آب الماضي، يتقاذف الكرة بينه وبين دياب. أيّ منهما لا يريد أن يتحمّل وزر خطوة قد تؤدّي إلى انفجار اجتماعي. سلامة الذي طالما تفرّد بالقرارات النقدية، صار أقل ثقة بالنفس. يفضّل العودة إلى المجلس المركزي الذي كان قد أسقطه من حساباته لسنوات طويلة. أدواته وخياراته صارت محدودة. يريد أن يمدّد الأزمة حتى شباط علّ الحكومة تشكَّل ويبدأ النقاش الجدي مع صندوق النقد. يسوّق لعودة سعد الحريري شريكه الأول في السلطة التي أوصلت البلد إلى الحضيض، ليستكملا الإنجازات معاً. سلامة كان هنأ نفسه في نيسان لأنه استطاع أن يحافظ على استقرار سعر صرف الليرة في القطاع المصرفي، ثم هنأ نفسه لأن النظام المصرفي ظل واقفاً على رجليه ولم يختفِ. على المنوال نفسه لم ينسَ، وهو يحذر من توقف دعم السلع الرئيسية، أن يطمئن إلى أن «الأزمة الحادة باتت وراءَنا».


كل الأرقام الواردة بالدولار محسوبة على أساس سعر صرف يبلغ 1507.5 ليرات وسطياً

المصادر: مصرف لبنان، البنك الدولي، LEBANESELIRA.ORG، الجمارك اللبنانية، وزارة المال، «الأخبار»




















اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا