الاهتمام الإسرائيلي بالساحة اللبنانية يكاد ينحصر في التركيز على رصد حزب الله وتنامي قوته وتقدير نياته والتوجهات التي تحكم قراراته في مواجهة تل أبيب. وهذا الاهتمام نفسه يفرض متابعة كل متغير في لبنان وخارجه، من شأنه التأثير في تموضع الحزب في مواجهة العدو.

استناداً إلى ذلك، تتابع إسرائيل الرسمية، عبر استخباراتها وأقسام البحث والتقدير فيها، الاحتجاجات المطلبية في لبنان وتحاول تحديد مسارها ونتائجها، وما إذا كانت تشكل متغيرات تفضي إلى فرص أو تهديدات في ما يرتبط بحزب الله.
وإذا كان متعذراً معرفة تقديرات الاستخبارات ونتائج تتبعها وخلاصاتها حول الاحتجاجات وتأثيراتها إزاء تموضع حزب الله، إلا أن التغطية الخبرية والتعليقات الواردة في الإعلام العبري حول الاحتجاجات، تؤشر إلى ما بعد هذه التقديرات، وتحديدا القرار الإسرائيلي المتخذ بموجبها، سواء عبر دفع المعلقين وتوجيه تعليقاتهم أو عبر «المواد الاستخبارية» المسربة لهم، أملا في تداولها وتسربها كذلك إلى الاحتجاجات في لبنان، علها تساهم في حرف اتجاهاتها ضد حزب الله.
على هذه الخلفية، ورد تحليل عن «مأزومية حزب الله» لمعلق الشؤون الأمنية والعسكرية في موقع «واللا»، أمير بوخبوط، اعتبر فيها ان الاحتجاجات تعني تغييراً في مكانة (الأمين العام لحزب الله السيد حسن) نصر الله، وأن النيران «بدأت بالفعل تحرق عباءته». والاحتجاجات «دليل على مأزومية» الحزب، خصوصاً أنه غير قادر، ضمن الظرف اللبناني الحالي، على الدفع بقواته العسكرية لمواجهة المدنيين وقمعهم.
في تقرير لافت في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (19/10/2019) لسيفر بلوتسكر، أشار فيه إلى أن أحد أسباب الاحتجاجات «نقل حزب الله المليارات من خطة الاستثمار في محطات جديدة لإنتاج الكهرباء لاستثمارها في مشروع الصواريخ الموجهة إلى إسرائيل»!
تقرير آخر ورد في ملحق «يديعوت أحرونوت» (22/10/2019) شدد على أن المحتجين «لا يخططون للتراجع. بل قطعوا طرقاً جديدة، فيما تراجعت قيمة العملة إلى ما يقرب من 3000 ليرة للدولار الواحد، وكذلك أغلقت أبواب المصارف والجامعات والمدارس والمتاجر، وغطى السكان نوافذ منازلهم بستائر غير شفافة خوفاً من أعمال الشغب». وأشارت إلى أن المتظاهرين يفصلون بين الرئيس اللبناني (العماد ميشال عون) المقرب من حزب الله، وبين (رئيس الحكومة اللبنانية سعد) الحريري، بل إن من بينهم «من يعتقد أن الميليشيا الإسلامية الشيعية (حزب الله) هي التي أوجدت الاحتجاجات للتخلص في نهاية المطاف من الحكومة اللبنانية، علماً بأن العداء بين قادة حزب الله ورئيس الحكومة ومقرّبيه يجعل الاحتجاج الحالي أكثر قابلية للانفجار».
وتحت عنوان «حزب الله على مفترق طرق»، كتب دورون بيسكين مقالة في صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية (19/10/2019) حلل فيها أسباب الاحتجاجات، ورأى أن أمام حزب الله الذي يخشى الاحتجاجات خيارين اثنين: الاستقالة من الحكومة والامتناع عن الانضمام إلى الحكومة الجديدة التي ستتشكل لتواجه العقوبات الأميركية، أو تعزيز مكانته في الحكومة المقبلة ونقل رسالة علنية إلى المجتمع الدولي بأنه هو السلطة الحاكمة في لبنان. وكلا الخيارين، بحسب الصحيفة، «غير ملائمين لنصر الله، علماً بأن الخيار الثالث، وهو إبقاء الأمور على ما كانت عليه قبل الاحتجاجات، بات متعذراً».
معلق الشؤون العربية في القناة 13، تسفي يحزقيلي، 22/10/2019) قال إن «سبب الاحتجاجات سياسي ويعود إلى التدخل الإيراني في لبنان وتسليح حزب الله رغم الحديث عن الأزمة الاقتصادية. وفي حال توفر حل ما للمشكلة (الاقتصادية)، فهذا لا يغير شيئا في أن المشكلة سياسية في نهاية المطاف، فهل تتوقف طهران عن اثارة القلاقل في بيروت؟».
استنادا إلى ما ورد، يأتي السؤال: هل المقاربة المغلوطة في سياقات التعليق العبري على الاحتجاجات، التي لا تتساوق مع متابعة كتّابها واختصاصاتهم، موجّهة إلى اللبنانيين لتؤثر في أهدافهم وتحرف مقاصدهم للإضرار بحزب الله عبر الاحتجاجات؛ أم أنها موجهة للجمهور الإسرائيلي نفسه، في سياق تعزيز رواية إسرائيل الرسمية المفعّلة بإفراط منذ عام 2006، بأن حزب الله «مضغوط ومأزوم».
الواضح أنها خلطة من الاتجاهين إضافة إلى قدر ما من الغباء، المبني بشكل كبير على «حسن استماع» الاعلاميين الإسرائيليين لما يرد عن حزب الله في عدد من الوسائل الإعلام المعادية له في لبنان والإقليم.
وقد تكمن الإجابة كذلك في ورقة بحثية صدرت امس عن «مركز القدس للشؤون العامة والدولة»، وفيه: «الانتفاضة في لبنان تخدم المصالح الأمنية لإسرائيل في المدى القصير، ويجب ان نأمل بان تستمر هذه الأزمة لفترة أطول، لأن إسرائيل منشغلة في حرب قاسية ضد التمركز العسكري الإيراني في سوريا، وهي بحاجة الى كل تخفيف من الضغوط الأمنية عليها، كالحاجة إلى الهواء للتنفس».