خلال ساعات قليلة تبدّل المشهد السياسي الداخلي. لم تتراجع احتجاجات الناس، لأن العلاجات لا تزال قاصرة. لكن ثمّة ما تغير في حسابات القوى السياسية المنظّمة، سواء تلك الموجودة في السلطة، أم التي خرجت بالأمس، أم المعارضة للحكم القائم. ثمّة عناصر جديدة تشي بمواجهة قد تنتقل إلى الشارع نفسه. وثمّة مخاطر جدية باتت تحدق بالتحركات، وتهدد بانقسامات وتوترات ترفع منسوب الخوف والقلق لدى الجمهور الضائع أمام سلطة مكابِرة، وأمام قوى معارضة غير مسؤولة.

ومثل كل ما حصل في العالم العربي، لا يزال الخارج يستعجل سرقة آلام الناس. وها هم في لبنان يحاولون، من خلال قوى محلية، تتقدمها القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الكتائب ومجموعات صغيرة مثل تلك التي يمثلها اللواء أشرف ريفي، التعامل مع الحراك وفق حسابات مختلفة. وهذا ما يستدعي ملاحظات جدية مع دقة في التمييز:
- إن السلطة بقواها السابقة والحالية هي التي تواصل معاركها من أجل استغلال تعب الناس وقهرهم في خدمة أهدافها.
- الخارج لا يأبه لأي نتائج لتدخله، وهو يكرر في لبنان ما فعله سابقاً في لبنان وفي ساحات أخرى، لكن هدفه لا يتعلق البتة بتعب الناس ووجعهم.
- القوى النافذة في الحكم، التي تتصرف بمكابرة وترفض التنازل الحقيقي مقابل حاجات الناس، لا تفكر اليوم إلا في أمر واحد، وهو وأد الحراك وقتله. ويقود المتسلطون من أركان الدولة هذه المعركة، وليست بيدهم حيلة سوى وصف المتظاهرين بأنهم حفنة من الزعران يحولون دون عودة الحياة إلى الأسواق والمدارس.
- إن القوى التي خرجت من الحكم بفعل ضعفها أو بفعل أخطائها السياسية أو تلك التي تخرج بحثاً عن موطئ قدم من أجل العودة بقوة إلى المعادلة، هي التي تتصرف الآن وكأن الشارع يعمل تحت إمرتها. وهو حال حزب الكتائب والقوات اللبنانية والحزب الاشتراكي ومجموعات تعمل بتمويل وأجندة سعودية كالتي يمثلها ريفي وبعض المجموعات في بيروت. وهذه القوى تذهب بعيداً في أخذ التحرك صوب مطالب سياسية لا تتصل بوجع الناس، وتلجأ إلى سلوكيات هدفها إعادة الانقسامات الطائفية والمذهبية وحتى الطبقية، بغية السعي إلى فرض أمر واقع في هذه المنطقة أو تلك.
- في مقابل هؤلاء، يرفض أقطاب القوى الكبيرة الحاكمة التراجع عن سياسات وأخطاء. فيرفضون اقتراحاً بتشكيل حكومة جديدة من 16 وزيراً لا تضم نواباً، ويريدون إبقاء الأمور على حالها. وتحمل القوى السياسية الحاكمة على الجيش وقوى الأمن الداخلي لتولي قمع الناس في الشارع. وحيث لا يتم الأمر – ليس احتراماً لحق الناس بل لغايات سياسية لدى قيادة القوى الأمنية – يلجأ أهل الحكم إلى زنود أنصارهم من أجل القمع كيفما اتفق.
- أما رئيس الحكومة الذي اعتبر أنه أدى قسطه للعلى بورقته الإصلاحية، فتراه لا يتقدم خطوة إضافية إلى الأمام. ويتصرف بأن ما قررته الحكومة هو أفضل الممكن، ولا يهتم بالتواصل مع الناس أو التحاور معهم، ولا يُقدم على خطوات عملانية من شأنها إضفاء الصدقية على ما أعلنه. وهو، كما الآخرين، يرفض أي تغييرات إدارية وسياسية في أدوات السلطة، مصراً على أنه يعرف ما يريده الجمهور.
وسط هذه الأجواء، يبدو الحراك أمام استحقاقات داهمة. وحيث لا توجد قيادة جيدة وموحّدة للتظاهرات، فإن عمليات «التحوير» قائمة من دون توقف من جانب القوى السياسية التي لا تريد محاسبة الفاسدين، بل تريد تحميل ميشال عون وحزب الله مسؤولية ما يحصل. وكأن آل الجميل وجنبلاط والآخرين، كانوا يعيشون في المريخ قبل ثلاث سنوات.

تحاول «القوات اللبنانية» تعديل وجهة التحرك من سياق مطلبي الى تلبية مطالب السعودية بالحملة على حزب الله


وبما أنه لا يتوقع نضوج وضع قيادي في الحراك سريعاً، فإن مخاطر الانقسامات تزيد، خصوصاً عندما قررت القوات اللبنانية أن الهدف اليوم هو التصويب على حزب الله وكأنها تسدد فواتير لخارج لا يهتم للبنان إلا من زاوية التخريب والانقسام. وتُقدم القوات على مغامرة غير محسوبة على الإطلاق، وكأنها لا تهتم لأمر ناسها كما لا تهتم لأمر بقية اللبنانيين.
لبنان اليوم يقف على عتبة لحظة خاصة جداً. ولا يمكن للسلطة غضّ الطرف عن غالبية شعبية رافضة لاستمرار السياسات القائمة وغير واثقة من غالبية الطبقة الحاكمة. ولا يمكن لها التذرّع بأي خلل أو تآمر تُقدم عليه قوى مشبوهة حتى تلجأ إلى العنف كما حصل في النبطية أو كما هو متوقع في أماكن كثيرة من لبنان. وبالتالي، فإن فكرة التغيير الحكومي التي تم طيّها – ولو إلى وقت – تبقى خطوة ضرورية لإقناع الشارع بأن هناك من يريد التعامل مع الأوضاع بطريقة مختلفة.
أما من جهة الناس، فليس أمامهم سوى تثبيت الشعارات المطلبية دون سواها، ورفع مستوى المسؤولية في مقاربة هذه الشعارات بقصد استقطاب قواعد الأحزاب وليس استفزازها. وهي عملية تتطلب نضجاً وحكمة والصبر من قبل الأكثر تأثيراً في حركة الناس. أما وسائل الإعلام، لا سيما المرئية منها، فهي تقترب أكثر فأكثر من حدود أن تصبح إطاحتها مطلباً شعبياً. وكان لافتاً بالأمس مساعي مجموعات شبابية إلى محاصرة المجموعات التي تقود حملة مباشرة ضد حزب الله، وقد حصل ذلك في طرابلس وفي ساحة الشهداء أيضاً.