ليس سراً ان «المسودة المبدئية» ــ الاولى له في اليوم 102 على التكليف ــ التي تقدّم بها الرئيس سعد الحريري في 3 ايلول وُلدت ميتة سلفاً. مذ رفضها رئيس الجمهورية ميشال عون بعدما أبدى له ملاحظاته، بات المطلوب من الرئيس المكلف ان يبدأ من جديد في صوغ مسودة ثانية، لا من حيث انتهى. قبل ان يصدر البيان الرئاسي في ذلك اليوم، على اثر اجتماع الرئيسين، كان ثمة اقتراح بتضمينه عبارة «مسودة مرفوضة». ثم ارتئي ابقاء ابواب التشاور مفتوحة، بالتركيز على «ملاحظات» رئيس الجمهورية ومعاييره للحكومة الجديدة، تبعاً لما كان اتفق عليه مع الحريري منذ اليوم الاول للتكليف، ولم يصر الى احترامها.

في الاوساط الوثيقة الصلة به، لم يلزم رئيس الجمهورية الرئيس المكلف أي شرط منذ 24 ايار عندما صدر بيان التكليف. بدورها الغالبية النيابية التي سمته بأصواتها الـ111 لم تقيّده. لم يسمه 17 نائباً بينهم كتلة حزب الله ونواب مستقلون، الا انهم لم يأسروه بمطالب. لم يضع الرئيس المكلف، منذ اليوم الاول، سوى معيارين هما حكومة ثلاثينية، وحكومة وحدة وطنية، دونما ادنى تفسير لفحواهما وسبل تطبيقهما. في احاديثه مع رئيس الجمهورية ابان التكليف، ثم في اللقاءات الاربعة التي جمعتهما قبل خامسها في 3 ايلول، سمع منه وجهة نظره في المعايير التي يطلبها، كون لا حكومة لا تقترن بتوقيعه، ما يقتضي موافقته الملزمة التي تشترط بدورها شراكة مطلقة في مسودة يقترحها الرئيس المكلف، العارف بما يطلبه رئيس الدولة.
بيد ان المسودة الاولى، المبدئية، لم تأتِ سوى بمعيار واحد للحريري هو ان تكون ثلاثينية، واغفلت كل ما ناقشه قبلاً مع عون.
ثمة كلام نُسب الى الرئيس عبّر عن امتعاضه يومذاك من المسودة تلك، مفاده ان الحريري سلمه صيغة حكومة «أدخل فيها كل ما حذرته منه»، و«كل ما حكينا فيه أتى بنقيضه». كانت هذه اشارة الى الحصص والحقائب التي اقترحها الرئيس المكلف لوليد جنبلاط وحزب القوات اللبنانية وتوزيع حقائب الدولة، فضلاً عن تجاهل توزير النواب السنّة المعارضين.
مع ان الحريري لم يعقب مباشرة على البيان الرئاسي في 3 ايلول، الا ان استنفار الطائفة السنّية بدءاً برؤساء الحكومات السابقين ومرجعياتها الدينية والسياسية وتيار الرئيس المكلف بالذات، وتوجيه اتهام مبطن الى رئيس الجمهورية بمخالفة الدستور، بالقول ان اتفاق الطائف في خطر تارة، وان ثمة تعرّضاً لصلاحيات رئيس مجلس الوزراء السنّي طوراً، رفع من وتيرة التشنج بين فريقي الرجلين. الجمعة 7 ايلول اوفد الحريري مستشاره الوزير غطاس خوري الى قصر بعبدا لتبريد هذا التشنج والعودة به الى الصفر، ومحاولة استيعاب تطورات الايام الاربعة المنصرمة التي اوحت بمواجهة بين عون والحريري على الصلاحيات الدستورية، كأن الاول ينتقص مما للثاني.
في جانب مما حمله وزير الثقافة الى رئيس الجمهورية، ان الرئيس المكلف ليس في صدد اي خلاف معه. هو متمسك بالتعهدات التي قطعها له. يقف الى جانب الرئيس ويقدّر مواقفه، ولا يستهدف حتماً العهد. لم يتغيّر، ولا يعدو ما قيل في الحملات المضمرة على عون ردود فعل توقفت، وهو لا يجاريها في اي حال، قبل ان تنتهي سلة التطمينات التي حملها الموفد الى القول: منذ اللحظة ستتغيّر المواقف.
تأكيد اضافي على وقف اثارة الصلاحيات الدستورية في وجه رئيس الجمهورية، والعودة الى المشكلة الاصل التي هي التأليف المتعذّر للحكومة.
على ان ما قاله عون، في الطائرة الى ستراسبورغ، رفع من نبرة التصعيد. في آن اكد انه لم يفك التماس مع الشروط التي تعترض معاييره للتأليف اياً تكن مصادرها، ويصر على استعجال ابصار الحكومة الجديدة في اسرع وقت. نفى ان يكون «الجهة المعرقلة»، وافصح عن ان لا حكومة «لا تكون الصيغة متوازنة» وفق المعايير والمبادئ التي تحدث عنها في بيان 3 ايلول للمرة الثانية، بعد خطاب عيد الجيش في الاول من آب. الاساس في كلامه هذا تأكيد «الشراكة بين الرئاستين الاولى والثالثة في التأليف»، وان «لا مجال للاجتهاد في وجود النص الدستوري».
مع ذلك، رغم تمسكه بالحريري رئيساً للحكومة الثانية ورغبته في البقاء الى جانبه طيلة الولاية، لا يخفى على عون حجم المآزق التي يضع الرئيس المكلف نفسه فيها:
1 - يريد تأليف الحكومة والاستمرار في السرايا، ولا يسعه التخلص من شروط جنبلاط وسمير جعجع، فيتبناها بكليتها، مع معرفته المسبقة بأن شريكه الفعلي في اعلان الحكومة، وهو رئيس الجمهورية، يرفضها تماماً.
2 - علاقته بالرياض ليست على ما يرام. منذ تكليفه في 24 ايار لم يتمكن الحريري، الذي زار السعودية اربع مرات على الاقل بدءاً من اليوم التالي للتكليف، من الاجتماع بمسؤول رفيع في المملكة. لم يستقبله الملك، ولا صلى على جاري العادة الى جانبه في اليوم الاول للعيد. عندما يحط في الرياض لا يستقبله سوى سائقه الذي يقود به السيارة الى منزله.

عون عن مسودة الحريري: كل ما حذرته منه أدخله فيها


3 - ليس خافياً ايضاً الاعتقاد بأن المملكة لم تغفر له استنجاده بالرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لإخراجه من احتجازه في الرياض، في 4 تشرين الثاني 2017، حينما اعلن من هناك استقالته. من ثم اتاحة الفرصة امام عودته الى بلاده.
4 - ليس خافياً ايضاً وايضاً ما ينقل عن لسان رئيس الجمهورية ان رفضه استقالة 4 تشرين الثاني، واصراره على استعادة الحريري الى وطنه، شكّلا الرافعة الوطنية الفعلية لابقاء الرجل داخل المعادلة السياسية. ما خلا ذلك ربما ظل هناك، في الاقامة الغامضة الى اليوم، او ذهب الى اعتزال تسابق حينذاك الراكضون وراء خلافته.
5 - لا يخفي رئيس الجمهورية، رغم محاولة وزير الثقافة الجمعة الفائت تبديد هذا الانطباع، شعوراً بأن الحريري تغيّر كثيراً عما عرفه فيه منذ التسوية الرئاسية عام 2016: لم يعد هو نفسه.