هل شوّه اعتماد الحاصل الانتخابي عتبةً ضروريةً للفوز، نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة؟

يمكن، بعملية حسابية بسيطة، أن نكتشف أن الآلاف أو ربما عشرات الآلاف من أصوات المقترعين في دائرة معيّنة قد تذهب هدراً، في حين أن مجموعات أخرى تقلّ عدداً تمثّل بأكثر مما تستحق.
يعني أن تتمكن لوائح معيّنة تحظى بنسب مرتفعة من التأييد من أن تحصل على مقاعد لا تستحقها وتسلبها من مستحقيها، حيث كان بإمكان لوائح أخرى لا تحظى بنسب مرتفعة مثلها من التأييد أن تحصّلها ــــ لو لم يعتمد الحاصل الانتخابي كعتبة ــــ من خلال اعتماد قاعدة أعدل لحسبان النتائج.
ولنأخذ مثلا» على ذلك:
دائرة معينة قيّد على لوائح شطبها 150000 اسم مؤهل للتصويت، وحُدّد لها في القانون عشرة مقاعد، تبيّن في حصيلة الانتخاب أن الذين اقترعوا هم فقط 100000 مقترع، وكان اقتراعهم صحيحاً بعد حسم الأوراق الملغاة، فيكون عندها الحاصل الانتخابي 100000 = 10000 صوت/ 10
وكانت قد سجّلت ست لوائح للترشح في هذه الدائرة، ونالت كل منها على التوالي:
اللائحة A = 36000 صوت
اللائحة B = 21800 صوت
اللائحة C = 12200 صوت
اللائحة D = 9000 صوت
اللائحة E = 8500 صوت
اللائحة F = 7500 صوت
و5000 ورقة بيضاء
المجموع = 100000 صوت صحيح
فاستناداً إلى القانون 44/2017 (المادة 99 منه) ستُخرَج اللوائح D, E, F التي لم تنل الحاصل الانتخابي، ثم يعاد احتساب الحاصل الجديد الذي هو 75000 = 7500 صوت/ 10
وستحتسب المقاعد وفقاً للآتي:
اللائحة A = 36000 = 4.8 (أربعة مقاعد صحيحة + 0.8 كسر)/ 7500
اللائحة B = 21800 صوت = 2.906 (مقعدان صحيحان + 0.906 كسر)/ 7500
اللائحة C = 12200 صوت = 1.626 (مقعد صحيح + 0.626 كسر)/ 7500
مجموع المقاعد الصحيحة 4+2+1 = 7 مقاعد صحيحة، وتبقى 3 مقاعد غير موزعة، ويقتضي توزيعها وفقاً للمادة 99 من القانون 44/2017 كما يلي، وبالترتيب:
مقعد للائحة B، مقعد للائحة A، ثم مقعد للائحة C، وذلك من الكسر الأكبر فالأصغر، فتصبح الحصص النهائية على النحو الآتي:
اللائحة A = 4+1 = 5 مقاعد
اللائحة B = 2+1 = 3 مقاعد
اللائحة C = 1+1 = مقعدان
إنّ حسم ربع عدد المقترعين بصورة صحيحة، البالغ عددهم 25000، وعدم تمثيلهم، يدعونا إلى إجراء مقارنة بسيطة بين نتيجة الفرز على الطريقة السابق ذكرها والمعتمدة وفقاً لقانون الانتخاب الحالي، على اعتبار الحاصل الانتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل والطريقة المقترحة بعدم اعتماد الحاصل الانتخابي كعتبة للتمثيل. لمعرفة أيٍّ من الطريقتين أصلح وأعدل.
فلنأخذ المعطيات المعتمدة نفسها في الطريقة السابقة لتوزيع المقاعد على اللوائح والمستندة إلى القانون 44/2017، لكن من دون اعتبار الحاصل الانتخابي كعتبة للتمثيل، وذلك على سبيل المثال. فما هي النتيجة التي سنحصل عليها، وذلك بعد قسمة الأصوات المحصلة لكل لائحة على 10000، وهو الرقم الناتج من الحاصل الانتخابي الأساسي 10/100000 = 10000
فتكون النتيجة حينذاك:
اللائحة A = 10000/36000 (3 مقاعد صحيحة + 0.6 كسر)
اللائحة B = 10000/21800 (مقعدان صحيحان +0.8 كسر)
اللائحة C = 10000/12200 (مقعد صحيح +0.22 كسر)
اللائحة D = 10000/9000 (0.9 كسر من مقعد واحد)
اللائحة E = 10000/8500 (0.85 كسر من مقعد واحد)
اللائحة F = 10000/7500 (0.75 كسر من مقعد واحد)
المجموع ستة مقاعد صحيحة، والكسور ستوزَّع على اللوائح بنسبة كسورها من الأكبر فالأصغر، بحيث تنال اللائحة D المقعد الأول لكونها حصلت على الكسر الأكبر، ثم اللائحة E، فاللائحة B، وأخيراً اللائحة F.
فتكون النتيجة النهائية:
اللائحة A = ثلاثة مقاعد صحيحة
اللائحة B = ثلاثة مقاعد صحيحة
اللائحة C = مقعد واحد
اللائحة D = مقعد واحد
اللائحة E = مقعد واحد
اللائحة F = مقعد واحد
إن اعتماد توزيع المقاعد على طريقة الباقي الأكبر أو الكسر الأكبر، ويسمى تقنياًLa technique des plus forts restes
قد لا يكون عادلاً بما فيه الكفاية، وإن كان أكثر عدالة من اعتماد الحاصل كعتبة للتمثيل؛ فاعتماد الحاصل الانتخابي كعتبة تمثيل ضرورية، يحرم اللوائح D, E, F التمثيل، وقد حصلت توالياً على 9000، 8500، و7500 صوت.
أما في حال عدم اعتماد الحاصل الانتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل، فيكون معدّل المقعد في مختلف اللوائح على النحو الآتي:
اللائحة A = نالت 36000 صوت ومعدل المقعد: 3/36000 = 12000 صوت
اللائحة B = نالت 21800 صوت ومعدل المقعد: 3/21800 = 7266 صوتاً
اللائحة C = نالت 12200 صوت ومعدل المقعد: 1/12200 = 12200 صوت
اللائحة D = نالت 9000 صوت ومعدل المقعد: 1/9000 = 9000 صوت
اللائحة E = نالت 8500 صوت ومعدل المقعد: 1/8500 = 8500 صوت
اللائحة F = نالت 7500 صوت ومعدل المقعد: 1/7500 = 7500 صوت

هذا يعني أن 6000 صوت قد حُرموا التمثيل في اللائحة A (2000 X 3)، و2200 صوت حُرموا التمثيل في اللائحة C.
وبمقارنة بسيطة مع الحلّ المعتمد حالياً في القانون 44/2017، نجد أن الإجحاف السابق ذكره، أي في الحلّ الذي لا يعتمد الحاصل الانتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل أقل بكثير من الإجحاف الناجم عن الحلّ الذي يعتمد الحاصل الانتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل، وذلك بيّن من خلال الملاحظتين الآتيتين:
الملاحظة الأولى:
في اعتماد الحاصل كعتبة، لم تتمثل فئة من المقترعين بلغ عددها 25000 مقترع، أي ربع مجموع المقترعين في الدائرة. أما في حال إلغاء العتبة والاعتماد فقط على توزيع المقاعد وفقاً للحاصل الانتخابي، فسيبلغ مجموع المقترعين غير الممثلين 6000 صوت في اللائحة A (3 مقاعد × 2000).
و2200 صوت للائحة C لكونها حصّلت مقعداً واحداً فقط، والمجموع هو 8200 صوت.
الملاحظة الثانية:
إنّ فائض الأصوات غير الممثلة عند اعتماد الحاصل كعتبة ضرورية للتمثيل، كان في حدّه الأقصى 6000 صوت في اللائحة A و 2200 صوت في اللائحة C، كما أسلفنا، في حين أن فائض الأصوات غير الممثلة في حال اعتماد الحاصل الانتخابي كعتبة، كان في حدّه الأدنى 7500 صوت (اللائحة F )، و 8500 صوت (اللائحة E)، ليصل إلى حدّه الأقصى 9000 صوت في اللائحة D.
ومع ذلك، هناك طريقة أفضل وأعدل يمكن اعتمادها في عملية توزيع المقاعد بعد الفرز، ويخفض بنتيجتها الإجحاف اللاحق بحق إحدى اللوائح التي حصّلت العدد الأكبر من المقترعين غير الممثلين ــ والمقصود هنا اللائحة A ــ من خلال افتراض إعطائها مقعداً إضافياً، لكن علينا بالمقابل التفتيش عن اللائحة التي يقتضي حرمانها مقعداً حصلته وفقاً لطريقة الكسر الأكبر La technique des plus forts restes بطريقة لا تجحفها.
فمن خلال حساب معدلات المقاعد في اللوائح الست، يتبيّن لنا أن معدّل المقعد الأدنى هو في اللائحةB 7266 صوتاً، وأن بحرمانها مقعدها الثالث يصبح معدّلها 10900 صوت، وبالتالي سيصير الإجحاف بحقها لا يتجاوز 900 × 2 = 1800 صوت، وهذا الإجحاف أقل بكثير من الإجحاف الذي سيلحق باللائحة A فيما لو اعتمدت تقنية الكسر الأكبر La technique des plus forts restes المتمثل بحرمانها تمثيل 6000 صوت قد حصّلتها.
إن الطريقة الأعدل لتوزيع المقاعد هي بنظرنا تقنيّة المعدّل الوسطي الأكبرLa technique de la plus forte moyenne. فكيف يكون توزيع المقاعد بهذه الطريقة؟
يقوم هذا التوزيع على افتراض إعطاء مقعد إضافي للائحة التي بقي بحوزتها الكسر الأكبر غير الممثل وحرمان اللائحة التي يتبين أن المعدل الوسطي للمقعد هو الأدنى. وفي مثلنا هذا، اللائحة B.
فإذا حرمنا اللائحة أحد مقاعدها الثلاثة، يصبح المعدل الوسطي للمقعد 2/21800 = 10900.
وإذا أضفنا مقعداً إلى اللائحة A يصبح المعدل الوسطي للمقعد 4/36000 = 9000 صوت.
وبالتالي يصبح ترتيب توزيع المقاعد على اللوائح وفقاً لما يأتي:
اللائحة A = أربع مقاعد مع معدّل وسطي للمقعد: 4/36000 = 9000 صوت.
اللائحة B = مقعدان مع معدّل وسطي للمقعد: 2/21800 = 10900 صوت.
اللائحة C = مقعد واحد مع معدّل وسطي للمقعد: 1/12200 = 12200 صوت.
اللائحة D = مقعد واحد مع معدّل وسطي للمقعد: 1/9000 = 9000 صوت.
اللائحة E = مقعد واحد مع معدّل وسطي للمقعد: 1/8500 = 8500 صوت.
اللائحة F = مقعد واحد مع معدّل وسطي للمقعد: 1/7500 = 7500 صوت.
وبذلك نكون قد وصلنا إلى أكبر قدر ممكن من العدالة والإنصاف بخفض الإجحاف إلى حدّه الأدنى وتأمين التمثيل بحدّه الأقصى.
فالانتخاب بنظرنا ليس عملاً حسابياً فحسب، بل يجب أن يعبّر عن اتجاهات الرأي العام وتمثيل الإرادة الجماعية للأمّة بأقصى ما يمكن من الدقة، ذلك أن الهدف الرئيسي من العملية الانتخابية دائماً ــ وإن لم يكن الوحيد ــ إيصال ممثلين للشعب، كل الشعب، يعكسون تطلعاته ويحققون أمانيه في إطار من السيادة الوطنية التي لا يمكن أن تتحقق إن لم تتحقق من خلالها العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.
*عميد ركن متقاعد،
أستاذ في القانون الدستوري