«نحن فشلنا في الرابع من تشرين الثاني». كان هذا «اعتراف» لإحدى أبرز الشخصيات في الفريق السياسي اللبناني المحسوب على السعودية، بعد انتهاء أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري «على خير»، وتراجع الرياض عن تطبيق مُخطّطها لضرب الاستقرار اللبناني. «جرأة» أن يُقرّ الإنسان، ولو بغير العلن، بأنّه فشل في مرحلةٍ ما، يُفترض أن تترافق مع إعادة قراءة للمرحلة السابقة، واستخلاص العبر، لعدم تكرار «الأخطاء»، ومُراكمة الفشل وخيبات الأمل. لكن على العكس من ذلك، لا يزال أعضاء الفريق اللبناني المحسوبين سياسياً، على الولايات المتحدة الأميركية والسعودية، يُراهنون على «المُعيل» الخارجي، علّه يُحقّق لهم محلياً ما عجزوا هم عنه، بعد أن فشلوا سياسياً وأسقطهم الرأي العام في الانتخابات وتراجع نفوذهم إلى أدنى المستويات.

رهان أعضاء هذا الفريق على محمد بن سلمان، في 4 تشرين الثاني، لم يكن الأول من نوعه. كذلك إنّ ردّهم خائبين، أمام «انتصار» خصمهم، ليس بجديد. قبل الرياض، كانت «أميركا» جورج بوش، وكانت الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار. الذاكرة تقود إلى 4 نيسان 2008، يوم كانت «14 آذار» في عزّها، ووصل إلى منزل مُنسق الأمانة العامة لهذا الفريق فارس سعيد، نائب وزير الخارجية الأميركي. قال يومها الضيف للمُجتمعين به، إنّه «إذا وافقت 14 آذار على انتخاب رئيس للجمهورية بالنصف زائداً واحداً، فإنّ الإدارة الأميركية ستوفر الغطاء لذلك». فرح «أهل الدار» بهذا الكلام، الذي رفعهم بلحظة واحدة إلى مرتبة «أصحاب القرار» الذين تؤيدهم «أعظم» قوّة في العالم. زادت ثقتهم بنفسهم أكثر، حين وصلت سوزان روز (تشغل حالياً منصب رئاسة قسم الشؤون السياسية في الشرق الأوسط في الأمم المتحدة) إلى مقرّ «الأمانة» في الأشرفية، مُسلّمة فارس سعيد رسالة من جورج بوش لقراءتها خلال مؤتمر 14 آذار 2008. استفاد هذا التجمع السياسي من الدعم الدولي له، لكن سرعان ما «إجا الكفّ برقبتنا» بعد أحداث 7 أيار 2008، وفق إحدى الشخصيات التي تزيد بأنّ «المسار كان مُتجهاً للانقلاب على حزب الله. قرأها الأخير بطريقة صحيحة، فانقلب هو علينا. ولو كنّا مكان حزب الله، لكنا تصرفنا مثله». أيار 2008 كان محطة فاصلة، ومن بعده، بدأ فريق 14 آذار، يتلقى الخسارة تلو الأخرى، حتى «انتخابات 2009، ربحناها بشقّ النفس، وبعطف الناس، وبالدور الذي لعبه الكاردينال نصر الله صفير».
الصراحة والموضوعية التي تُقارب بها هذه الشخصية الواقع السياسي لفريقها السياسي، لا تعنيان إعادة النظر في السياسة المُتبعة من قبلهم. «سنبقى مع السعودية، لمنع إيران وحزب الله من الهيمنة على لبنان. ومن غير الممكن أن تحصل هذه المواجهة بمشروع محلّي». لا همّ لهذا الفريق سوى القضاء على حزب الله. هو «الهدف الأسمى»، الذي من أجل تحقيقه يجب تفشيل العهد الرئاسي، الحليف للمقاومة وللقضايا العربية. الضربة القاضية لتحقيق هذه الغاية، تكون عبر تعقيد عملية تشكيل الحكومة، تمهيداً لدفع سعد الحريري إلى الاعتذار عن عدم التأليف. ألم يكتب النائب السابق فارس سعيد على «تويتر» قبل أكثر من أسبوع أنّ «اعتذار الحريري عن عدم تشكيل الحكومة ينهي عهد عون»؟

تعترف إحدى الشخصيات المحسوبة على السعودية بفشل «مشروع 4 تشرين الثاني»


دفع «الرئيس (السني) القوي» داخل بيئته الطائفية إلى الاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة، سيؤدي إلى عوامل عدّة، تصبّ جميعها لمصلحة السعودية وشركائها المحليين. رئاسة الجمهورية، التي تريد الانتهاء سريعاً من تشكيل «أولى» حكومات العهد، سيُصيبها الارتباك، وسيرتفع الحديث عن «صلاحيات» رئاسة الحكومة التي يُريد فريق 8 آذار السياسي والرئيس ميشال عون «السيطرة» عليها، ويُشَدّ «العصب السنّي» من خلال تسعير الخطاب الطائفي… أمام هذا الواقع، لن «تجرؤ» أي شخصية تنتمي إلى الطائفة السنية، على معاندة الغليان الطائفي، والقبول بتشكيل حكومة «انتحارية»، كما فعل نجيب ميقاتي، غداة إقالة حكومة سعد الحريري في مطلع عام 2011.
يُجاري أعضاء الفريق السياسي المحسوب على السعودية، الأخيرة رغبتها في تأخير التشكيل قدر الإمكان، علّها تتمكن في الوقت الضائع من تجميع أوراق ضغط بوجه حزب الله. يقومون بذلك وهم أكثر العارفين بأنّ السعودية ستتنصّل منهم حين تجد مصلحة في ذلك. لكن «نحن لا يُمكننا إلا المراهنة على النظام العربي، الذي يرفض تمدّد نفوذ إيران في المنطقة». لم يجد هؤلاء أفضل من بلدٍ «عربي» يفلش أمواله أمام دونالد ترامب، ويتموضع في الخندق نفسه مع العدو الصهيوني ضدّ العرب وقضاياهم، كالضغط المُمارس على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للقبول بـ«صفقة القرن»، وإلا فالاستقالة! عدا عن التنسيق الاستخباري المُباشر بين السعودية و«إسرائيل»، واعتبار محمد بن سلمان أنّ من «حق» اليهود إقامة وطن لهم على «أرض الأجداد». يُحاول المصدر الدفاع عن السعودية، بالعودة إلى «صفقة القرن» والقول إنّها «غير قابلة للتنفيذ حالياً، لسببين: أولاً، الرفض الفلسطيني لها. وثانياً، تصاعد نفوذ إيران في المنطقة». لذلك، لن «يذهب بلد عربي إلى المصالحة مع إسرائيل أو الموافقة على صفقة القرن، إذا لم يُحلّ واحد من هذين السببين». وقد يكون واحداً من الحلول «تقويض نفوذ إيران من خلال ضربها ومحاصرتها، عسكرياً وسياسياً وإقتصادياً». ينقل المصدر أجواءً تُفيد بأنّ «المملكة لم تعد تؤمن بمواجهة إيران من الساحة اللبنانية».