ليس حبّاً بذكر المجازر، لذاتها، وليس بدافع مِن مازوشيّة جماعيّة، كما ليس أنساً بانكسار لتأبيده... بل، وببساطة، لأنّ تلك الأشياء حصلت، ثم طُمِست أو تكاد. لأنّ ذاك الكيان، الإسرائيلي، الداخل اليوم في «صفقة عصر» لكسب شرعيّة، أخلاقيّة وأشياء أخرى، هو مَن فعل تلك المجازر، ولم يتنصّل مِنها... هذا إن كان للسيف أن يتنصّل مِن غمده. لأنّ هناك مِن ولد وشبّ على حياة، هنا، ولم يُحط بتلك الفظاعات علماً. لأنّ القاتل، الذي خرج عنده مَن أرّخ لأفعاله، نسبيّاً، فيما كان القتيل يُلملم ما بقي مِن حياة، ثم يُهمَل مِمّن اؤتمن على تلك الحياة. لأنّ هناك مَن قصّر، وهناك مَن استسهل، وهناك مَن ضحك أو بكى ورحل. لكلّ ذلك، وأكثر، نورد اليوم حكايات بعض تلك المجازر، على ضحالة ما في الأرشيف، فضلاً عن شحيح الذاكرة الشفويّة، بعد طول المدّة، ليعرف مَن لا يَعرف، اليوم، وليَعرف مَن سيأتي بعدنا، غداً، أنّ ذلك حصل، بعض مِمّا حصل، في تموز وأقرانه من أشهر وأيام وسنين وعقود.

بالنسبة إلي، أن تكون كلمة «فلسطينيون» موضوعة في العنوان، أو في صلب مقالة، أو على منشور سرّي، فإنها تستحضر في ذهني مباشرة الفدائيين في مكان معين هو: الأردن، وخلال فترة يمكن تحديدها بسهولة. ففي هذه الفترة وفي ذلك المكان، عرفت الثورة الفلسطينية. إن الوضوح البديهي العجيب لما حدث، وقوة تلك السعادة المرافقة لوجودهم، يسميان أيضاً: الجمال.
مرّت عشر سنوات ولم أعرف عن الفدائيين شيئاً سوى أنهم كانوا في لبنان. كانت الصحافة الأوروبية تتحدث عن الشعب الفلسطيني، بوقاحة، بل وباستخفاف. وفجأة: بيروت الغربية.
للصورة الشمسية بُعدان، وكذلك لشاشة التلفزيون، إلا أنهما كلاهما لا يمكن أن يعبرهما الإنسان أو يطوف داخلهما. من جدار إلى جدار، داخل زقاق الأرجل المقوسة أو المدعمة التي تدفع الحائط، والرؤوس المتكئة بعضها على بعض، والجثث المسودّة المنتفخة التي كان عليّ أن أتخطاها، كلها كانت جثث فلسطينيين ولبنانيين.
إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة. إنها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى.
الحب والموت، هاتان الكلمتان تتداعيان بسرعة كبيرة عندما تكتب إحداهما على الورق. لقد كان عليّ أن أذهب إلى شاتيلا لأُدرك بذاءة الحب وبذاءة الموت. فالأجساد، في الحالتين ليس لديها ما تخفيه. كان جسم رجل فيما بين الثلاثين والخامسة والثلاثين ممدداً على بطنه، والجزء الوحيد من وجهه، الذي تمكنت من رؤيته، كان بنفسجياً وأسود. وفوق الركبة بقليل، كان فخذه المثني يكشف جرحاً تحت الثوب الممزق. ما أصل الجرح: حربة، أم سكين، أم فأس، أم خنجر؟ ذباب فوق الجرح وحوله. والرأس أكبر من بطيخة، بطيخة سوداء. سألت عن اسمه.
فلسطيني، أجابني رجل فرنسي في الأربعين وقال: أنظر ما فعلوا.
وسط جميع الضحايا التي تعرضت للتعذيب، وبالقرب منها، لا يستطيع ذهني أن يتخلص من تلك «النظرة اللامرئية»: كيف كان شكل ممارس التعذيب؟ من هو؟ إنني أراه ولا أراه. إنه يفقأ عيني، ولن يكون له أبداً شكل آخر سوى الشكل الذي ترسمه وضعية أجساد الموتى، وإشاراتهم الخشنة، وهم تحت الشمس، تنهبهم أسراب الذباب.

منذ انقطعت الطرق، وصمت التليفون، وحُرِمْتُ من الاتصال بالعالم، أحسستني، لأول مرة في حياتي، أصير فلسطينياً وأكره إسرائيل


لننظر إلى المسألة عن قرب: منظمة التحرير الفلسطينية تغادر بيروت بكرامة، فوق باخرة إغريقية ترافقها حراسة بحرية. بشير الجميل يزور بيغن في إسرائيل متخفياً ما أمكن. القوات الدولية (الأميركية والفرنسية والإيطالية) تنهي وجودها يوم الاثنين وتغادر. يوم الثلاثاء يقتل بشير، وصباح يوم الأربعاء تدخل القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية. وبما أن الجنود الإسرائيليين أتوا من جهة الميناء، فقد كانوا يزحفون على بيروت صباح دفن بشير الجميل. ومن الطابق الثامن للعمارة التي أسكنها، كنت أراهم، بواسطة منظار مقرّب، يصلون في شكل صف هندي: صف واحد. تعجبت من أن لا شيء آخر يحدث، لأن بندقية منظار جيدة كانت قادرة على أن تُسقطهم جميعهم. لكن وحشيتهم كانت تسبقهم.
كانت إسرائيل قد تعهدت أمام فيليب حبيب، ممثل الحكومة الأميركية، بألا تدخل بيروت الغربية، وتعهدت أن تحترم سكان المخيمات الفلسطينية المدنيين. وقد وعد حبيب عرفات بإطلاق سراح تسعة آلاف سجين معتقلين في إسرائيل... لكن، يوم الخميس بدأت مذابح شاتيلا وصبرا.
أتنقل من جثة إلى أخرى، ولعبة الوزة هذه ستنتهي حتماً إلى هذه المعجزة: شاتيلا وصبرا يُمحيان. كانت المرأة الفلسطينية مسنة، في غالب الظن، لأن الشيب كان يمازج شعرها. كانت ممددة على ظهرها. اندهشت، أول الأمر، لوجود جديلة غريبة، من قماش وحبل، ممتدة من معصم إلى معصم آخر، رابطة بذلك الذراعين المتباعدتين، وكأنهما مصلوبتان. والوجه الأسود المنتفخ مستدير نحو السماء، كاشفاً عن فم مفتوح ملأته قتامة الذباب، وأسنانه ظهرت لي جد بيضاء. كان هذا الوجه يبدو، من دون أن تتحرك عضلة فيه، إما كأنه يُقطِّب، أو يبتسم، أو يصرخ صرخة صامتة مسترسلة. كانت جواربها من الصوف الأسود، والفستان ذو الأزهار الوردية والرمادية مشمراً قليلاً، أو أنه جد قصير، لست أدري، مما يجعله يكشف عن أعلى ربلتي الساقين السوداوين المنتفختين.
أنظر يا سيدي، أنظر إلى يديها.
لم أكن قد لاحظت ذلك، فأصابع يديها، كانت مروحية الشكل، والأصابع العشرة مقطوعة بمقص. لا شك أن جنوداً قد استمتعوا وهم يكتشفون هذا المقص ويستعملونه، ضاحكين مثل أولاد وهم يغنون فرحين.
في اليوم التالي لدخول الإسرائيليين، أصبحنا سجناء، إلا أنه خُيّل إلي بأن الغزاة لم يكونوا موضع خشية بقدر ما كانوا موضع احتقار، وكانوا يبعثون على الغثيان أكثر مما كانوا يحدثون الرعب. لم يكن أي جندي يضحك أو يبتسم. والزمن هنا لم يكن بالتأكيد زمناً لنثر حبات الأرز والورود.
منذ انقطعت الطرق، وصمت التليفون، وحُرِمْتُ من الاتصال بالعالم، أحسستني، لأول مرة في حياتي، أصير فلسطينياً وأكره إسرائيل.
إن التأكيد على وجود جمالٍ خاص بالثوريين يطرح صعوبات كثيرة. من المعلوم ــــ من المفترض ــــ أن الأولاد الصغار، أو المراهقين، يعيشون في أوساط عتيقة قاسية، ولهم جمال في الوجه والجسد والحركة والنظرات، يقرب كثيراً من جمال الفدائيين. وقد يكون تفسير ذلك هو الآتي: بتكسيرهم للأوامر، والقيود العتيقة، أخذت حرية جديدة تشق طريقها عبر الجلود الميتة، وسيجد الآباء والجدود مشقة في إطفاء بريق العيون، وكهرباء الأصداغ، وحبور الدم في النسوغ.
خلال ربيع عام 1971، عندما كنت أزور القواعد الفلسطينية، كان الجمال منتشراً بذكاء وسط غابة تنعشها حرية الفدائيين. وفي المخيم كان الجمال مختلفاً، مكتوماً بعض الشيء، ينشر ظلاله من خلال سيادة النساء والأطفال. كانت المخيمات تتلقى نوعاً من الضوء الصادر عن قواعد القتال. أما عن النساء وجمالهن، فإن تفسير تألقهن سيستلزم مناقشة طويلة ومعقدة. أكثر من الرجال ومن الفدائيين في المعركة، كانت النساء الفلسطينيات يبدين قادرات على مساندة المقاومة، وتقبُّل التجديدات التي تحملها الثورة. كُنَّ قد عصين العادات: نظرة مباشرة مساندة لنظرة الرجال، رفض للحجاب، شعورهن مرئية، وأحياناً مكشوفة تماماً، أصوات من دون تصدُّع.
كل يوم، خلال شهر كامل، ودائماً في «عجلون»، كنتُ أرى امرأة نحيفة لكنها قوية، مقرفصة، في البرد، كأنها في وضع الاستعداد لانطلاق مفاجئ. كانت المرأة ترتدي فستاناً أسود مزيناً بشرائط على حافته وعند الأكمام. كان وجهها قاسياً، لكنه لم يكن حقوداً، متعباً لكنه ليس مضجراً. كان المسؤول عن المغاوير يهيئ غرفة خالية تقريباً، ثم يشير إليها فتدخل إلى الغرفة، وتغلق الباب، لكن من دون مفتاح. ثم تخرج من غير أن تتفوه بكلمة، ومن غير ابتسامة على محياها.. كانت تعود منتصبة، إلى جرش، حيث مخيم «البقعة». وقد عرفت، في ما بعد، أن المرأة كانت عندما تدخل إلى الغرفة المخصصة لها في مقر الحراسة، ترفع فستانيها الأسودين وتفك جميع الأظرفة والرسائل التي كانت مخاطة داخلهما، وتطرق الباب طرقاً خفيفاً لتسلم الرسائل إلى المسؤول، ثم تخرج وترحل من دون أن تتفوّه بكلمة. كانت تعود في الغد.
منذ مساء يوم الخميس. يا لها من حفلات ومن مآدب فاخرة تلك التي أقيمت حيث الموت كان يبدو وكأنه يشارك في مسرَّات الجنود المنتشين بالخمرة وبالكراهية. ولا شك أنهم كانوا منتشين، أيضاً، بكونهم قد نالوا إعجاب الجيش الإسرائيلي، الذي كان يستمع وينظر ويشجع ويوبخ المترددين في قتل الأبرياء. إنني لم أرَ هذا الجيش الإسرائيلي رؤية العين والأذن، غير أنني رأيتُ ما فعله.
في الليل، تحت ضوء الصواريخ الإسرائيلية التي كانت تنير المخيمين، فإن خمسة عشر رامياً، أو عشرين، ولو بأفضل الأسلحة، ما كان بوسعهم أن ينجحوا في تحقيق هذه المجزرة. إن قاتلين قد أنجزوا العملية، لكن جماعات عديدة من فرق التعذيب هي، في غالب الظن، التي كانت تفتح الجماجم وتشرح الأفخاذ، وتبتر الأذرع والأيدي والأصابع، وهي التي كانت تجر، بواسطة حبال، محتضرين معاقين، رجالاً ونساءً كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
إن الموتى الذين أجدهم، عادة، وبسرعة، مألوفون، بل ودّيون، ولم أستطع أن أميز فيهم، وأنا أنظر إلى قتلى المخيمات، سوى كراهية وسرور أولئك الذين قتلوهم. حفلة وحشية جرت هناك: سمر، نشوة، رقص، غناء، نداء، عويل، تأوهات... على شرف متفرجين كانوا يضحكون وهم جالسون في الطابق الأخير من مستشفى عكا.

أتنقل من جثة إلى أخرى، ولعبة الوزة هذه ستنتهي حتماً الى هذه المعجزة: شاتيلا وصبرا يُمحيان


قبل حرب الجزائر، لم يكن العرب، في فرنسا، جميلين. كانت حركاتهم بطيئة، متلكئة، ووجههم جانبياً باستمرار... وفجأة، تقريباً، جمَّلهم الانتصار.
على الشاكلة نفسها، كان الفدائيون الفلسطينيون، وقد انعتقوا من مخيمات اللاجئين، ومن أخلاق المخيم ونظامه، تلك الأخلاق التي فرضتها ضرورة الاستمرار في العيش، وانعتقوا في الآن نفسه من العار، جد جميلين.
فالفتيات الفلسطينيات يصبحن جميلات عندما يتمردن على الأب، ويكسرن إبر التطريز ومقصاته فوق جبال عجلون والسلط وإربد. وعلى الغابات نفسها، كانت قد ترسبت كل الحساسية الشهوانية التي حررتها الثورة والبنادق. علينا ألا ننسى البنادق. فقد كانت كافية، وكل واحد كان مفعم الرغبات.
في شاتيلا مات الكثيرون من هؤلاء الفدائيين، ولكن صداقتي ومودّتي لجثثهم الآخذة بالتعفن، كانتا أيضاً كبيرتين. لأنني كنت قد عرفتهم من قبل. إنهم، وقد انتفخوا، واسودّوا، وعفَّنتهم الشمس والموت، يظلون فدائيين.
بالقرب من نهر الأردن، كان الفدائيون يبدون متأكدين من حقوقهم، ومن سلطتهم، لدرجة أن وصول زائر، ليلاً أو نهاراً، إلى أحد مراكز المراقبة، كان مناسبة لحضور الشاي، وتبادل الحديث المصحوب بالضحكات، والقبلات الأخوية (الشخص الذي كانوا يقبلونه كان يرحل تلك الليلة، ويخترق نهر الأردن ليضع قنابل داخل فلسطين، وفي غالب الأحيان لم يكن يعود). وجُزُر الصمت الوحيدة كانت هي القرى الأردنية: كان الفدائيون يغلقون أفواهم عندما يصلون إليها. كانوا جميعهم يظهرون وكأنهم محمولون قليلاً فوق سطح الأرض بتأثير كأس نبيذ نفاذ. ما الذي كان يُسبغ عليهم ذلك المظهر؟ إنه الشباب اللامبالي بالموت، والذي كان يحصل على أسلحة تشيكية وصينية تتيح له أن يُطلق الرصاص في الهواء. محميين بأسلحة لها دوي عال، لم يكن الفدائيون يخشون شيئاً.
لم يكن الفدائيون يريدون السلطة، فقد كانوا يمتلكون الحرية.
عند عودتي من بيروت، وفي مطار دمشق، قابلت فدائيين شباباً نجوا من الجحيم الإسرائيلي. كان عمرهم ست عشرة أو سبع عشرة سنة: كانوا يضحكون، وكانوا شبيهين بفدائيي عجلون. إنهم سيموتون مثلهم. فالمعركة من أجل البلاد يمكن أن تملأ حياة جد غنية، لكنها قصيرة. وهذا، كما نذكر، هو اختيار أخيل في ملحمة الإلياذة.

* أديب وشاعر ومسرحي فرنسي، ولد في كانون الأول 1910 في باريس. من سلالة «الملعونين» الهامشيّين. عرف بمناصرته لقضايا المظلومين، وأبرزها القضية الفلسطينية. شخصية إشكالية ومشاغب ثقافي ومتمرد أخلاقي.
صاحب رواية «يوميات لص» ومسرحيتي «الشرفة» و«الخادمتان»، قاتل إلى جانب الفلسطينيين بالنص والموقف السياسي الشريف والأخلاقي، ونصّه هذا أشهر نص عن مجزرة صبرا وشاتيلا (ترجمه محمد برادة ونشره في مجلة «الدراسات الفلسطينية» ولاحقاً في العديد من الدوريات العربية). تسلل إلى الولايات المتحدة دعماً للفهود السود، وسجن أثناء تظاهره للدفاع عن قضايا العمال المهاجرين في باريس. دخل الزنازين مرات عدة، وحكم عليه مرة بالسجن المؤبد، لكنه خرج بعد وساطات جان كوكتو وجان بول سارتر المتكررة. رحل هذا الرائع عن عالمنا في عام 1986.



أخطأ بشير...
بعد مصرع بشير الجميّل وعشرين من أتباعه، وبعد المذابح (في صبرا وشاتيلا)، جاءت السيدة ج. وهي من بورجوازية بيروت الرفيعة، لزيارتي بعدما علمت أنني كنت في مخيم شاتيلا. صعدت الطوابق الثمانية على رجليها لانقطاع الكهرباء، وهي في الستين من عمرها، كما أقدّر.
قلت لها: كنتِ محقة عندما قلتِ لي، قبل موت بشير وقبل المذابح، بأن الأسوأ كان في الطريق. ولقد رأيت...

لا تحدثني عمّا رأيت في شاتيلا، أرجوك. فأعصابي جدّ هشّة، وعليّ أن أصونها حتى أتحمّل الأسوأ الذي لم يحدث بعد.
إنها تعيش مع زوجها (70 سنة) في شقة كبيرة، واقعة في رأس بيروت ومعها خادمة. جدّ أنيقة ومعتنية بجسدها، وأثاث بيتها من طراز لويس الرابع عشر على ما أظن.
كنّا نعرف أن بشير قد ذهب إلى إسرائيل. لقد أخطأ، فعندما يكون المرء رئيساً منتخباً لدولة، فإن عليه ألا يعاشر مثل هؤلاء. لقد كنت متأكدة من أنه سيتعرض لسوء. لكني لا أريد أن أعرف شيئاً، إنّ عليّ أن أصون أعصابي لتحمّل الضربات الفظيعة التي لم تأتِ بعد. لقد كان يتحتّم على بشير أن يُرجِع تلك الرسالة التي يخاطبه فيها بيغن بصديقي العزيز.
إن للبورجوازية الرفيعة، وخدمها الصامتين، طريقتهما الخاصة في المقاومة. والسيدة ج. وزوجها لا «يؤمنان تماماً بتناسخ الأرواح». فماذا سيحدث لو أنهما ولدا من جديد في شكل إسرائيليين؟
كان يوم دفن بشير هو نفسه يوم دخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت الغربية. الانفجارات تقترب من العمارة التي نوجد فيها، وأخيراً نزل الجميع إلى المخبأ، داخل قبو: سفراء، أطباء، زوجاتهم وبناتهم، ممثل لهيئة الأمم المتحدة بلبنان، ثم الخدم.
كارلوس، احمل لي مخدة.
كارلوس، نظارتي.
كارلوس أعطني قليلاً من الماء.
الخدم، لأنهم أيضاً يتكلمون الفرنسية، فإنهم مسموح لهم بالنزول إلى المخبأ. وربما كان من الواجب المحافظة عليهم، والاهتمام بجروحهم، وحملهم إلى المستشفى، أو إلى المقبرة... يا لها من قضية!