بعدَ ثلاثة عشر عاماً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يُفترض بـ»المتنوّرين» في «تيار المُستقبل»، قيادة وقاعدة وجمهوراً، أن يسألوا أنفسهم أين أصبح التيار ومن خلفِه «الحريرية السياسية»، بعد كل هذه السنوات؟


لم يكُن المُستقبلِيون يُدركون أنهم سيكونون في الرابع عشر من شباط 2018 على موعِد مع استحقاق مفصلي (الانتخابات النيابية)، سينقلُهم من موقع زعامة الطائفة السنية إلى مجرّد شركاء في قيادتها. تحولات الداخل والإقليم وضعتهُم أمام اختبار التكيّف مع مرحلة جديدة، وربما جعلتهم على تماس مع مستجدات سياسية لم يألفوا التعامل معها منذ أعوام طويلة، لعل أبرزها أزمة الاستقالة القسرية وما خلّفته من ندوب في بنيان العلاقة السعودية ــ الحريرية. يبدو التيار كمن يعيش حالة مخاض، بعد أن كشفت المرحلة السابقة عن نقاط ضعف في بنيتِه، وأظهرت الهوة السحيقة التي تفصِل بين قيادته العليا وقاعدته التنظيمية والشعبية، وحوّلته من تيار عابر للطوائف إلى تيارات مستقبلية متقوقِعة داخل البيئة السنية. كل هذه المعطيات تجعل سعد الحريري، اليوم، أكثر تواضعاً وواقعية، أكثر من أي يوم مضى.
على مدى ثلاثة عشر عاماً، واجه سعد الحريري ثلاث محطّات مفصلية؛ وراثته الشارع السنّي من بوابة الدمّ المهدور في شوارع العاصمة في 14 شباط 2005، ترؤّسه أول حكومة بعد انتخابات عام 2009، وسيره بالتسوية السياسة التي أبرمها مع الرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحرّ في نهاية عام 2016. ومع كل محطّة، كان هناك ربح وخسارة. في موسم الدم، تحلق تيار المستقبل حول رمزية الحريري الابن، مستقطباً جمهوراً عريضاً ونخباً سياسية واجتماعية وثقافية، لكن لم تمض سنوات قليلة حتى بدأ الرجل يستنفد رصيده السياسي حتى أصبح فاقداً إلى حدّ ما ثقة شريحة من جمهور اتهمه بالذهاب بعيداً في معاكسة المزاج السنّي العام في البلد والمنطقة. ترافق ذلك مع ضمور الدعم السعودي له سياسياً ومادياً، بدءاً من عام 2012، فيما كان لبنان ينتقل من أزمته الوطنية المفتوحة إلى رحاب أزمة أكبر، مع الزلزال الكبير الذي ضرب المنطقة، وخصوصاً سوريا.
كيف ينظر المستقبليون إلى أحوالهم اليوم؟


يشعر المُستقبليون بأنهم «أيتام» يفتقدون الحاضنة الإقليمية

بين عامي 2005 و2018 تغيّر تيار المستقبل. ذكرى رفيق الحريري يُحييها المستقبليون اليوم باحتفاليتين: الأولى، في مسجد محمد الأمين، يلقي فيها الرئيس فؤاد السنيورة كلمة، وثانية في البيال، يتحدّث فيها سعد الحريري، فضلاً عن منابر أخرى سيطلّ عبرها آخرون يدّعون أنهم «الأوفياء» وليس «الخوارج». ماذا يعني هذا المشهد؟ يعني أن عصب التيار بات ضعيفاً مع كل هذا التفاوت في الآراء والتوجهات في البيت الداخلي، سياسياً وتنظيمياً وإدارياً.
في السياسة، انتقل سعد الحريري إلى مركب آخر، لا يجد كثر من المستقبليين مكاناً لهم فيه. وضع زعيمهم يده بيد أحد ألدّ أعدائه، أي التيار الوطني الحرّ، الذي لم يوفّر محطّة إلا واتهم فيها زعيمهم بالفساد ودعم الإرهاب. أسهم هذا الأمر في انشقاق عدد من أركان التيار الأزرق ممن نجحوا في خلق حيثيات سياسية وشعبية من شأنها أن تزاحم الحريري سياسياً وانتخابياً في عدد من المناطق، كالوزير أشرف ريفي في طرابلس، وخالد الضاهر في عكار، وأحمد فتفت في الضنية، وفؤاد السنيورة في صيدا.
على المستوى التنظيمي، نجح التيار في خلق هيكلية ورقية جميلة، لكنه لم يفلح في ترجمتها على أرض الواقع. في الفترة الأولى من تسلّمه الزعامة، حرص الحريري على احتضان شخصيات، بعضها ورثها عن والده وأخرى حاولت ادّعاء أبوّته سياسياً... لكنه سرعان ما تمّ تهميش «القدامى»، فتراجع مقامهم بداية من تنفيذيين وأصحاب قرار (في زمن الأب)، إلى مجرّد مستشارين بالشكل (في زمن الابن)، من سليم دياب وصالح فروخ وعبد اللطيف الشماع وآخرين، قبل أن يتمّ تجاهلهم بالمطلق في ما بعد، ويحلّ مكانهم جيل الأمين العام للتيار أحمد الحريري، الذي يضم مجموعة شباب كان «الحرس القديم» يتّهمهم بأنهم «غير مجرّبين» و»غير مؤهلين لاتخاذ قرارات كبيرة»، رغم الإنجازات التي حقّقوها سياسياً وتنظيمياً... وحتى انتخابياً.
ما فقده التيار لم يقتصِر على بيئته الحاضنة، بل شمل جمهوراً عريضاً تحلق حول الوريث السياسي الجديد في 14 آذار 2005. بالنسبة إلى هذا الجمهور، لم تعُد سياسات سعد الحريري تتناسب مع تطلّعاته ومتطلباته. زاد الطين بلة ضعف الموارد المالية التي كانت تُمنح لتحشيد الجمهور الذي كان جزءاً كبيراً منه يتفاعل مع الحريري وفق ما كان يقدم له من مكاسب مالية وخدماتية مباشرة، من دون إغفال تأثير الانتكاسة التي مُني بها المشروع الدولي والإقليمي الحاضن للحريرية السياسية في لبنان.
وفي خضم البحث عن الأخطاء ومواطن الضعف، لا بدّ من المرور على العناوين السياسة التي حملها التيار منذ عام 2005؛ فأين هي المحكمة الدولية والحقيقة التي ينتظرها جمهور رفيق الحريري؟ فضلاً عن مسارات لم تهضمها معدة جمهور المستقبل، ليس أوّلها التشكيل الحكومي الذي جمعه بحزب الله، والاستسلام لوقائع إقليمية جعلت من سلاح حزب الله «غير الشرعي» قضية ليست في متناول اللبنانيين، بل خلافاً ارتأى الحريري وضعها جانباً، مقابل الاحتفاظ بموقع الرئاسة الثالثة. ولعلّ أبرز ما يواجه التيار في هذه الذكرى، أنها تحلّ للمرة الأولى بعد احتجاز الحريري في الرياض وإجباره على تقديم استقالته. وعليه، لا يُمكن تفادي الحديث عن هذه اللحظة التي جعلت المستقبليين يشعرون بأنهم «أيتام» يفتقدون الحاضنة الإقليمية، حيث لم يعد الحريري خياراً وحيداً بالنسبة إلى الرياض، رغم كل الدعم الدولي والإقليمي الذي يلقاه.