لم تغيّر مملكة آل سعود في أساليبها الإجرامية. هي تعمل منذ عقود طويلة على استخدام عصابات إجرامية، مغلفة باسم قوى أو أحزاب أو حتى أجهزة أمنية، لتصفية حساباتها مع معارضيها. ولبيروت على الدوام، حصة من هذا الإجرام.

في 17 كانون الأول 1979، تولت عصابة اختطاف المعارض السعودي ناصر السعيد، من شارع الحمرا في بيروت. الخاطفون عناصر في جهاز الأمن العسكري الفلسطيني الذي كان يترأسه العقيد عطا الله عطا الله «أبو الزعيم». أما منسّق العملية وممولها، فهو السفير السعودي في حينه علي الشاعر.

وجرى الحديث عن مقابل قيمته عشرة ملايين دولار. بعد ساعات على الخطف، وصل نعش من السفارة السعودية إلى مطار بيروت لشحنه في طائرة خاصة متجهة إلى الرياض. كانت الوثائق السعودية تزعم أنّ من يرقد في النعش هو ابنة سفير المملكة في دمشق عبد المحسن الزيد، وأنهم يريدون نقل جثمانها إلى بلدها. وبعدها اختفى ناصر السعيد.
في 8 آب 2015، اقتحمت عناصر أمنيون لبنانيون، تبين أنهم من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، حرم مطار بيروت الدولي، وأوقفوا مسافراً آتياً إلى لبنان قادماً من إيران، ونقلوه على وجه السرعة إلى مقرهم المركزي. وبعد أقل من 12 ساعة، أعادوه إلى المطار لتقله طائرة سعودية خاصة إلى الرياض. لم يكن الرجل سوى أحمد إبراهيم المغسل، المعارض السعودي الفارّ من 20 عاماً، بعدما اتهمته الرياض ومعها الولايات المتحدة بالوقوف خلف تفجير الخبر الشهير.
في الحالة الجديدة، لا حاجة للسؤال عن المشغل أو عن المبلغ. فهو أيضاً المشغل السعودي، وربما السفير الحالي علي عواض العسيري، ذو الخلفية الأمنية. أما المبلغ، فواصل مسبقاً، من خلال التمويل غير الرسمي الذي يتلقاه فرع المعلومات من السعودية، ليس بوصفه جهازاً أمنياً لبنانياً، بل بوصفه ذراعاً أمنية للسعودية وقوى 14 آذار في لبنان.
كيف يحصل ذلك؟
في البلاد المشغولة بملفات أكل وعيش عبادها، لا مجال لأي نوع من المحاسبة أو المساءلة. فكيف إذا كانت ميليشيا رسمية، تحظى بغطاء وزاري وقضائي رسمي وسياسي، هي من يقوم بعملية الخطف الموصوف. وهي ميليشيا لم يحصل أصلاً، أن نسقت «خدمة أمنية» مع أي جهاز آخر في لبنان. وهي التي «وعدت المشغلين» في العالم، بالسعي إلى خطف كل مطلوب للولايات المتحدة وأوروبا والسعودية. وهي التي تعمل على ذلك ليل نهار.
كيف يمكن أن يمرّ أمر كهذا. سؤال يوجه إلى رئاسة الحكومة (إذا كانت تعلم عن الأمر شيئاً)، أو وزارة الداخلية (إذا لم تكن متواطئة عملياً)، أو قيادة قوى الأمن الداخلي (إذا كانت تجرؤ على السؤال أصلاً)، أو وزارة العدل (إذا كانت تناقش الأوامر فعلاً). لكن الجميع، يتصرف بأنه «أنجز خدمة من خدمات العمر لطويل العمر». ولا بأس أن ينهي كل هؤلاء خطبهم في اليوم التالي، بالشكوى من الدويلة داخل الدولة. وبالطبع، لن نجد بياناً أو مقالاً أو رأياً لأيٍّ من قادة ثورة الأرز أو صحافييها، يتساءل عن حقيقة ما جرى.
ثم ما الذي يجعلنا نستغرب عملاً بهذه القذارة، من سلطة تطلق النار على متظاهرين يطالبون برفع النفايات من أمام منازلهم، ومن سلطة لا تكترث بخروج نصف شعبها محتجاً عليها، ومن حكم يقدر على مواصلة المحاصصة والسرقات، حتى ولو عمّ الصراخ المكان، أو امتلأت الساحات بروائح الموت.
لكن، هل يعتقد من قام بهذه الفعلة الدنيئة، أنه أمر يجب التسامح معه، أو تشريعه، وهل هذه هي جنة الحريات التي يعمل لأجلها عملاء صغار، سيظلون صغاراً، مهما حملوا من شارات، أو علقوا من أوسمة، أو انتزعوا من حصانات وهمية؟
غداً، سوف تعدم السعودية أحمد المغسل، وسوف يمنع أهله من دفنه، وسوف تتم معاقبة الكثيرين بحجة التواطؤ على إخفائه. وفي لبنان، سيدوي الصمت، إذا لم يبادر، من يجب أن يبادر، لوضع حد لهذا الفلتان، الذي يريدنا جميعاً، مجرد قمامة لا يوجد من يلمّها من الشارع!