رحّبت إسرائيل بإعلان «صفقة القرن» التي وصفها رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بـ«المدهشة»، بانتظار تنفيذ عدد من بنودها، وتحديداً ضم الأرض الفلسطينية. لكن الانتظار الأهم هو موقف الجانب العربي الذي يحدد إمكان المضي بالصفقة كما هي، أو تتحول إلى إجراءات أحادية الجانب، من دون ربط في الحالتين بالجانب الفلسطيني. وكان الإعراب عن الترحيب والرضى شبه كامل في إسرائيل، مع تحفظات من جانب اليمين المتطرف الذي يرفض حتى التنازلات الشكلية. ووفقاً للتعليقات العبرية، الصفقة هي «تحقيق للحلم الصهيوني»، و«جيدة لإسرائيل ولأمنها» إلى الحد الذي تصلح أن تكون نص اتفاق ائتلافي بين حزبي «الليكود» و«أزرق أبيض»، لا مع الفلسطينيين. مع ذلك، يتعلق السؤال المتداول لدى الخبراء الإسرائيليين بموقف الأنظمة الخليجية من الصفقة كما أعلنت بنودها وأهدافها ومتعلقاتها أمس. سؤال احتل حيزاً معتبراً من النقاش الإسرائيلي في اليومين الماضيين، ويفترض أن يكون حاضراً أكثر في أعقاب الإعلان، رغم ترقب رد فعل عنيف وتصعيد فلسطيني استعدت إسرائيل وجيشها لمواجهته ميدانياً، إذ إن موقف هذه الأنظمة هو الذي يحدد نجاح الخطة من فشلها، بغض النظر عن الموقف الفلسطيني ومستوى رفضه، المعروف والمحسوب مسبقاً.

يمكن الحديث طويلاً عن الفائدة التي سيجبيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نفسه، وكذلك نتنياهو، إذ لكليهما مصلحة شخصية في تمرير خطة كهذه، لكن الاقتصار على ذلك والتركيز على العامل الشخصي يعد تركيزاً على استفادة ظرفية للطرفين، في حين أن الخطة وُضعت لغاية محددة هي ترجمة سيادة اليمين وتوجهاته في إسرائيل والولايات المتحدة، عبر مشروع ينهي عملياً القضية الفلسطينية ويحقق المصلحة الإسرائيلية الكاملة. واضح أن الخطة ما كانت لتكون، إن كانت منطلقاتها مقتصرة فقط على سيادة اليمينَين، وهي ليست سيادة المرة الأولى في البلدين، بل نتيجة تخلي الجانب الفلسطيني الرسمي عن أوراق الضغط التي كانت لديه، والتي تخوله انتزاع حقوقه أو جزء منها من المحتل. فمن دون أوراق القوة، أي القدرة على المقاومة وإرادة تفعيلها، لا إمكان لاسترجاع الحقوق، وللمفارقة هي ضرورية ولازمة حتى إن قرر الفلسطينيون اتباع خيار التسوية!
وعلى خلفية ما آلت إليه أوضاع الجانب الفلسطيني، بما يشمل أولاً السلطة وكذلك فصائل غزة المحاصرة، ونتيجة ردود فعل «متواضعة» نسبياً أمام إجراءات وخطوات أقدم عليها الإسرائيلي وحليفه الأميركي في السنوات الثلاث الماضية، يسود الاعتقاد في تل أبيب أن رد الفعل سيكون «محمولاً» ويمكن استيعابه قياساً بالفائدة المحققة من الصفقة، مع التلميح المسبق إلى أن رد الفعل ومستواه مؤقت ومن شأنه أن يخمد لاحقاً مهما كان متطرفاً في بداياته. أما في الإشارات الدالة على الرضى الإسرائيلي المسبق من موقف الأنظمة العربية ولا سيما الخليجية تأكيداتٌ وردت إلى تل أبيب من الإدارة الأميركية تتعلق بموقف خليجي ليس مؤيداً فقط، بل مرحّباً ومموّلاً لخطة ترامب كما هي، عبر رصد ما يقارب 50 مليار دولار. وهذه التأكيدات مبنية على أحاديث خاصة بين الجانب الأميركي وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وكذلك أمراء خليجيين آخرين («يديعوت أحرونوت»، 26-01-2020). كذلك نقلت القناة الـ13 العبرية أمس، عن مصادر خليجية رسمية، أن الموقف الرسمي في الخليج من خطة ترامب لن يكون رافضاً، خاصة إن امتنعت الخطة عن السماح لإسرائيل بفرض سيادتها على الضفة المحتلة فوراً، الأمر الذي يعني أن موقف الخليج مبني وفقاً لشكل الخطة وطريقة تقديمها، وليس لمضمونها الفعلي.

طمأنت واشنطن تل أبيب إلى أن الموقف العربي والخليجي خاصة مؤيّد


على هذه الخلفية، أكدت وسائل الإعلام العبرية، نقلاً عن مصادر رفيعة في البيت الأبيض وكذلك مصادر رفيعة إسرائيلية (وفق القناة الـ13)، أن ترامب يعارض خطوات ضم إسرائيلية أحادية فورية، خشية أن يؤدي ذلك إلى امتناع الدول العربية عن دعم الصفقة، رغم شيوع أنباء عن نية الحكومة فتح نقاش في هذا الشأن، في أول اجتماع لها الأحد المقبل. أياً يكن، يبقى الموقف الخليجي والإقليمي من الصفقة، التي وصفها رئيس أزرق أبيض» بيني غانتس بـ«حجر أساس مهم وتاريخي»، هو الموقف الذي سيعمل عليه فور توليه السلطة في حال نجاحه في تشكيل الحكومة المقبلة. وقال غانتس: «سأعمل على تطبيقها من خلال حكومة دائمة وضمن تنسيق مع دول المنطقة». لكن هذا التنسيق و«المصالح المشتركة» من ناحية نتنياهو هي «تحصيل حاصل» نتيجة تطور العلاقات مع الدول الخليجية «بما لم يكن يحلم به في السابق»، ومن دون أي ارتباط بالقضية الفلسطينية. اطمئنان نتنياهو إلى الموقف العربي، واطمئنانه في الموازاة إلى حدود رد الفعل الفلسطيني السياسي والميداني وإمكان استيعابه، أسبابٌ دفعته إلى إعلان أن إسرائيل ستحافظ على الوضع القائم في الضفة لأربع سنوات (من دون إقامة مستوطنات جديدة)، لكنها «ستفرض قريباً سيادتها على غور الأردن والمستوطنات المشمولة في خطة السلام الأميركية». والمعنى العملي لتصريحه يشير إلى أن إسرائيل ستنتظر قبل ضمّ مناطق أخرى في الضفة غير المستوطنات والغور من المناطق المسماة «ج»، والواقعة تحت السيطرة الكاملة للاحتلال، بموجب اتفاق أوسلو.
ميدانياً، بدأت القوات الإسرائيلية، من الجيش و«الشاباك» والشرطة، الاستعداد لموجة احتجاجات فلسطينية عبر رفع مستوى الاستعداد للأسوأ واستقدام مزيد من الوحدات إلى مختلف مناطق الضفة والقدس المحتلة. وذكرت مصادر عسكرية للإعلام العبري أنه على خلفية إعلان «صفقة القرن»، أجرى وزير الأمن نفتالي بينِت، ورئيس الأركان أفيف كوخافي، تقييماً خاصاً للوضع في نهاية جولة في الضفة. وقال بينيت: «الجيش والقوات في الميدان مستعدون لمواجهة أي سيناريو، ومن بينها تصعيد للوضع، وذلك من دون أي مساعدة من السلطة»، مضيفاً: «نحن مقبلون على أيام مصيرية بشأن رسم الحدود وفرض السيادة الإسرائيلية... والتهديدات من الجانب الفلسطيني لن تردعنا».