طالب عضو «المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية» (الكابينت) في تل أبيب، وزير التربية، نفتالي بينت، حكومة العدو بخطوات أكثر حزماً في مواجهة قطاع غزة وتنامي تهديد الفصائل الفلسطينية فيه. قارن بينت بين تهديد حزب الله المتنامي، الذي وصل إلى الحد الذي يمكنه ضرب أي نقطة في فلسطين المحتلة جراء حيازته ترسانة تعاظمت لأكثر من 150 ألف صاروخ خلال سنوات مضت، وبين قدرة حركة «حماس» التي تتنامى بدورها من دون أن تحرك إسرائيل ساكناً، في إشارة منه إلى امتناعها عن شن الحرب على رغم أثمانها وتبعاتها. ولفت إلى أن المسؤولين الحاليين على طاولة القرارات، في تلميح إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان، يتجابنون أمام «حماس»، التي تملي على إسرائيل، وفق تعبيره، أجندتها الأمنية وقرارات الحرب والسلم.

في مقابلة مع الإذاعة العبرية أمس، أضاف بينت أن الجيش «يعلم جيداً أماكن تخزين الصواريخ في غزة، وبإمكانه، كما عليه، أن يعمل فوراً على تدميرها وتدمير كل منظومة الإنتاج الصاروخي في القطاع». وأضاف: «أنا مع تصفية قيادة حماس والقيام هناك (في غزة) بما نفعله في الضفة. لأنهم إذا كانوا لا يطلقون النار علينا في الضفة، فلأن الجيش الإسرائيلي لا يسمح لهم برفع رأسهم، وهذا ما يجب أن يحدث في غزة». ومنعاً للوقوع في الاستنتاجات المغلوطة، كلام بينت وتهديداته غير موجهة إلى غزة، وإن كانت كذلك في الشكل، بل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، وفي سياق صراعه على صدارة التطرف لدى اليمين وناخبيه، ضد نتنياهو نفسه، وأكثر ضد ليبرمان الذي يسعى بينت للحلول محلّه، وتولّي وزارة الأمن بدلاً منه في الحكومة المقبلة.
في الواقع، لا يصعب كثيراً التفريق بين مواقف وتصريحات المسؤولين السياسيين الإسرائيليين ممن هم خارج دائرة إصدار القرارات وتنفيذها، كما حال رئيس الحكومة ووزير الأمن، وبين وزراء يطمحون إلى تولي هذه المناصب، ما يدفعهم إلى التطرف في المواقف، ومحاولة توهين خصومهم في السلطة، مع أو من دون علاقة فعلية مع التحديات الأمنية أمام إسرائيل. وبينت يمثّل النسخة الحالية من نموذج السياسيين الإسرائيليين الانتهازيين والساعين دوماً في المزايدات وتظهير أقصى التطرف لكسب ود الجمهور اليميني، بألا يدع كبيرة أو صغيرة تضرّ وتوهن خصومه السياسيين من دون أن يستغلها للإضرار بهم. يحاول وزير التربية أن يظهر نفسه أنه كان لينهي التهديدات الفلسطينية وغير الفلسطينية لو كان في سدة القرار، وتحديداً باستخدام الحروب والاقتدار العسكري الإسرائيلي، مع الإصرار على أن الثنائي نتنياهو-ليبرمان يجبنان عن استخدامها. يعيد بينت، في ذلك، مشهد رئيس الوزراء السابق أريئيل شارون عندما كان في المعارضة إلى أن تغير بعد توليه رئاسة الحكومة، بل بات صاحب مصطلح «في ضبط النفس قوّة»، في إشارة إلى «تمهّله» طويلاً للرد على العمليات الفلسطينية في الأراضي المحتلة.

المشهد نفسه كان قد تكرر مع نتنياهو في مواجهة شارون


المشهد نفسه كان قد تكرر مع نتنياهو في مواجهة شارون، وكذلك في مواجهة إيهود أولمرت، ثم جاء ليبرمان ليزايد على وزير الأمن السابق موشيه يعلون، ويعلن أنه لو تولى وزارة الأمن لكان صفى «بلا تردد وخلال 48 ساعة» مسؤولي «حماس»، ومن بينهم رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، الأمر الذي ابتعد عنه لدى تولّيه المنصب، تماماً كما فعل من سبقه بعد تهديداتهم. مع ذلك، تهديدات بينت، وإن كانت للأذن الإسرائيلية، فإنها تعبّر عن ضائقة قرارات في مواجهة غزة، إذ لا يبدو أن هناك قدرة فعلية على مواجهة تبعات تحقيق المصالح الإسرائيلية الأمنية بالقوة العسكرية التي يطالب بها بينت، من خارج طاولة القرارات. لو كان ليبرمان قادراً على تنفيذ ما يطالب به بينت، وهو الذي لا يقل تطرفاً وعداء للفلسطينيين، لكان ترجم كل التطرف الممكن بلا إبطاء، مهما كانت الأثمان المقدر أن يدفعها الفلسطيني. لكن، بوصفه يقف على رأس سلم المسؤولية السياسية للمؤسسة العسكرية، بات يدرك كما تدرك المؤسسة نفسها، أن ما بين تشخيص المصلحة الأمنية وبين القدرة الفعلية على تحقيقها فروقاً قد تضيق أو تتسع، وتبعاً لها تضيق وتتسع خيارات إسرائيل. عندئذ، يضطر ليبرمان وغيره إلى التراجع أمام التهديدات، والبحث عن خيارات أخرى قد تكون غير متطرفة، بل ربما التعايش معها. والساحة اللبنانية طوال 12 عاماً خير دليل على ذلك.
على ذلك، لا علاقة بين تهديدات بينت وإمكان أن تكون المواجهة العسكرية الواسعة مقبلة ضد غزة، أكانت مقبلة فعلياً أم لا. فلا علاقة بين تهديداته وكون اتفاق التهدئة مقبلاً على فشل كامل أو جزئي، سواء أكان الفشل مقدراً من ناحية فعلية أم لا. كذلك، ومنعاً للتحليلات المغلوطة التوجه الأكبر في التهديدات شأن داخلي وسجال بيني ومزايدات بين خصوم سياسيين، مع أرجحية معتبرة جداً، لأن لا إشارات كذلك على خطوات «حربجية» واسعة، في حال تولي بينت وزارة الأمن خلفاً لليبرمان. والثابت إلى الآن أن الإستراتيجيا الإسرائيلية المفعلة تجاه غزة هي ما ورد على لسان وزير الأمن الحالي، رأس الهرم السياسي للجيش، الذي أكد أن تل أبيب تعمل على الوقيعة بين سكان غزة و«حماس»، وهي استراتيجية جديدة تمثل دليلاً آخر على ضيق خيارات إسرائيل وإمكاناتها الفعلية في مواجهة الخيار المقاوم.