مجحفٌ بحق الفصائل الفلسطينية، وفي المقدمة حركة «حماس»، موازنة مكاسبها وغير مكاسبها جراء الاتفاق الجاري بلورته بينها وبين إسرائيل. المجحف تطبيق الحسابات والقواعد الرياضية لتقويم بنود أي وقف لإطلاق النار، مع الإدراك المسبق لحجم الهوة بين المقاومين ومحور الاحتلال المقابل، إذ إن ميزان القوة العسكرية بين الجانبين غير قابل للقياس، كما أن الظرفين المكاني والزماني، جراء العداوات الداخلية والإقليمية وكذلك الدولية للمقاومة، يضغطان بقوة على المقاومة ويتماهيان مع مصالح الاحتلال.

على ذلك، فرْض المعادلات والندية على الاحتلال وإجباره على التراجع إلى جانب شركائه الإقليميين ومن ثم البحث عن اتفاق يشتمل على تنازلات يعد انتصاراً للجانب الفلسطيني، بعد سنوات من المواجهة التي تخللها حصار شبه مطبق من أطراف محور الاحتلال الأربعة: الاحتلال نفسه، والسلطة الفلسطينية، ودول «الاعتدال العربي» القريبة والبعيدة، في حين تولت الولايات المتحدة الضغط الدولي والتغطية على فظائع الحصار من جهاته الأربع.
وجراء ميزان القوة المادي، أيُّ تراجع للاحتلال وشركائه في محور معاداة المقاومة الفلسطينية، يعدّ انتصاراً محققاً للخيار الجهادي والثبات على الموقف. الاختلاف قد يتعلق بحجم ومدى وفعالية هذا الانتصار، لا في الانتصار نفسه، وهو ما يعمل على بلورته في الأثناء. وفي ذلك، سواء جاء اتفاق وقف إطلاق النار وما يتضمنه من بنود تراجعية لمحور الاحتلال، كما يجري تداوله كاملاً، أو جاء مقطعاً على مراحل ضمن اتفاقات لاحقة وشبه منفصلة، أو حتى بلا اتفاق بالمطلق مع استبعاد هذا السيناريو، لكن سلة نتائج حققتها المقاومة بالفعل وقبل إعلان الاتفاق نفسه، ومن المجحف أيضاً إغفالها. ولعل من أبرزها:
ــــ أثبتت حركة حماس والفصائل المصطفة إلى جانبها في قطاع غزة جدوى الخيار المقاوم وفعاليته في دفع الاحتلال إلى التراجع، حتى إن كان يتعذر مقارنة ما لدى محور الاحتلال من قدرات مادية، قياساً بما لدى المقاومة من قدرات. يأتي ذلك، في موازاة الإثبات تلو الإثبات أن جدوى الخيار التفاوضي محدود إن لم يكن منتفياً، وخاصة أن أوراقه التفاوضية مقتصرة على التوسل والاستجداء، وكذلك بعدما تحول أيضاً إلى خيار ملحق بالاحتلال نفسه وسنداً لمصالحه وديمومته، مهما أطلق على هذا الخيار من مسميات.
ــــ إصرار الفصائل، وبالأخص ثبات موقف الأجنحة العسكرية الجهادية فيها، مكن المقاومة من التموضع على خريطة موازين القوى والمحاور، كجهة وقوة يجري الاعتراف بمكانتها قسراً في هذه الأثناء، عبر بلورة وقف إطلاق النار معها وفي قبالتها، وذلك بعد التسليم بتعذر اجتثاثها، رغم جهود سنوات، تخللتها حروب اجتثاث وحصار شبه مطبق. في ذلك، لا يضر تكرار التأكيد على نجاعة الخيار المقاوم للأهمية. وفي هذه النقطة تحديداً، يُشهد لـ«حماس»، وأكثر تخصيصاً للجناح العسكري فيها، أنها أكدت حضورها وتأثيرها عبر إنجاز اعتراف إقليمي بها كشريك في تفاهمات إقليمية، والأهم من ذلك أن هذه المكانة والدور جاءا بأسلوب المقاومة المسلحة.
أما تعليل تراجع الإسرائيلي وربطه بأنه لا يحبذ الخيارات العسكرية، فهو تعليل مضلل، إذ إن الخيار العسكري متعذر، وليس أنه غير محبذ، وتعذره مبني على أنه مكلف وعلى إرادة الصمود الفلسطيني والقدرة على الإيذاء. وتكتمل سلة نتائج وبنود الانتصار الفلسطيني المحقق، بعد الانتهاء من بلورة الاتفاق والإعلان عن بنوده، وإن كان التقدير أن من المبكر الحديث عن بلورة اتفاق كامل، وكما يرد من تسريبات.
الواقع أن ما يضغط على الاتفاق الكامل هو تداخل المصالح وتعارضها، ليس بين الفصائل وإسرائيل فحسب، بل كذلك لدى محور الاحتلال نفسه، الأمر الذي من شأنه إطالة مدة التفاوض وفي حال التوصل إلى نتيجة، تمكين التفاصيل والمزايدات داخل تل أبيب والمصالح المتعارضة بين إسرائيل وحلفائها، ثم تأجيل استحقاق ما يتفق عليه بالكامل، علماً بأن استمرار وقف إطلاق النار يزيد ترجيح هذه التقديرات، إذ لا عامل ضغط على الاحتلال وشركائه.
هذه النتيجة المقدرة للآتي لا تقلل شأن الانتصار الفلسطيني وإجبار الاحتلال على التراجع، مع بنود تسوية اتفاق كاملة أو ناقصة أو مؤجل استحقاقها. لكن في الموازاة، يجدر التأكيد أن المحتل وشركاءه سيعمدون إلى كل ما لديهم من إمكانات في السياسة والمفاوضات بعد نفاد وتعذر الخيارات العسكرية، لعلهم يحققون أقصى المصالح في موازاة أقل التنازلات. وهذا ما يجب على المقاومين فعله كذلك، تحت طائلة العودة الطبيعية إلى ذي بدء وتصعيد، وهو ما يرفضه الاحتلال وقد يدفعه أيضاً مع ترجيح إلى التراجع سياسياً، كما كان التراجع العسكري من قبله.