غزة | أطلق السفير القطري، المنتدب إلى فلسطين، محمّد العمادي، سلسلة من التصريحات على مدار الشهر الماضي أثارت الجدل لدى الشارع الفلسطيني، وهو ما عقّبت عليه غالبية القوى الوطنية والإسلامية التي رأت أن الرجل يتجاوز الدور المنوط به كمسؤول موكل بإدارة مشاريع خيرية وتنموية تقيمها الدوحة منذ سنوات في غزة، ليتحول إلى دور سياسي ووسيط للهدنة والحرب بين الأطراف المختلفة، ضمن السياسة القطرية المعروف أنها لا تمانع التقارب مع العدو الإسرائيلي رغم أنها ترسل سفيرها بلا سفارة معلنة.

ففي السابع عشر من تموز الماضي، تحدث العمادي عبر قناة «الجزيرة» الفضائية، قائلاً إن «حماس» وإسرائيل اتّفقتا على «مواجهة عسكريّة منخفضة الكثافة في غزّة، وتجنّب حرب شاملة»، وتفاهمتا ضمنيّاً على «تجنّب القتل بينهما، خاصة أنّ هناك صعوبة تمويل إعمار غزّة بعد حرب أخرى». وأضاف أنه ناقش مع الحركة هدنة مدّتها بين 5 و10 سنوات، معلناً أن «مصر لم تعد موثوقة لدى حماس»، وهو بالطبع ما أغضب القاهرة.
القيادي في «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، ذو الفقار سويرجو، قال إن قطر تريد عبر الدعم على يد العمادي أن تحصل على ثمن سياسي بالتدخل المباشر في القضايا المصيرية، «لدرجة أن العمادي أصبح يتصرف كأنه أحد القادة الفلسطينيين، بل يتحدث بتفاصيل العلاقات الداخلية الفلسطينية... هذا مرفوض وعلى العمادي أن يحترم حدوده السياسية وأن يتصرف ضمن ما هو مسموح له». وأضاف سويرجو: «بعض تصريحاته تأخذ طابع إثارة الفتن الداخلية وتهدف إلى منع أي تدخّل مصري».

ترى «حماس» أن مواقف العمادي تعبّر عنه لا عن مواقفها


أما المتحدث باسم حركة «فتح»، عاطف أبو سيف، فقال إنه رغم التقدير للدعم القطري للشعب الفلسطيني، فإن «التدخل السافر في الشؤون الداخلية والقضايا المصيرية مرفوض... نقول لحماس وليس لقطر إننا يجب ألّا نكون ضحايا التجاذبات الإقليمية». وقبل ذلك، في مطلع الشهر الماضي، قال العمادي لوكالة «شينخوا» الصينية إن هناك محادثات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل، ملمّحاً إلى اتفاق بين تل أبيب والدوحة على أن تتجنب الأولى استهداف المشاريع القطرية «إلا إذا كانت تحوي هدفاً لحماس».
موقف الرفض عبّر عنه أيضاً محمود الزق، وهو عضو المكتب السياسي لـ«جبهة النضال الشعبي»، الذي قال: «يهدف العمادي بمشاريعه وبالدور الإنساني الذي يقوم به في غزة إلى تثبيت أركان سلطة حماس في غزة... نعلم جميعاً أن العمادي يدخل غزة عن طريق معبر إيريز (حاجز بيت حانون) مروراً بإسرائيل، كذلك ندرك أن هناك علاقة أقوى وأعمق من العلاقة الظاهرية بين قطر وإسرائيل». وأضاف الزق: «موقفنا ثابت من السياسة القطرية بأنها مشبوهة وتعمق الجرح الفلسطيني، بل تهدف إلى تحويل الانقسام إلى انفصال، بالإضافة إلى أن المقترح الذي قدمه العمادي يأتي في سياق المشروع الأميركي الذي يقوم على أساس كيان سياسي في غزة أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي».
كذلك، رأى عضو «المجلس الوطني» والقيادي في «حزب الشعب» وليد العوض، أنه «منذ تولي العمادي مهماته في الأراضي الفلسطينية، تجاوز كل الأصول الدبلوماسية في أكثر من مرة، وبات يتصرف كأنه المندوب السامي الذي يحمل الوصاية على الفلسطينيين». ويقول: «جاءت تصريحات العمادي بهذا الشكل الفظ من أجل تخريب العلاقة بين الإخوة في حماس ومصر، لدرجة أنه حاول التلميح إلى وجود علاقات من الخلف بين الاحتلال وحماس، وهو بذلك أراد توريط حماس».
في المقابل، رفض قياديون في «حماس» التعليق على الموضوع، لكن مصادر عدة قالت إن ما يتحدث به العمادي «لا يمثل السياسة التي تتحدث بها الحركة... خاصة أن الكل يعلمون أن المكتب السياسي (للحركة) صار في غزة وانتقل من الدوحة»، مضيفة أن ما يربط الحركة به هو المشاريع التي يقوم على متابعتها، مع أنها لم تنكر أنه يتوكل بإيصال رسائل من العدو أو إليه. لكن إبراهيم المدهون، وهو كاتب ومحلل سياسي قريب من «حماس»، يرى أن «للسفير القطري دوراً مهماً ومقبولاً لدى حماس أو السلطة، خاصة في جانب المشاريع التنموية، ولكن أيضاً له دور سياسي، مع أنه محدود وطموح في الوقت نفسه». المدهون رأى أيضاً أن تصريحات السفير القطري، وإن كانت تثير بعض الغضب لدى البعض، فإنها «لا تحرج حماس، لأن السفير يعبّر عن موقف دولته لا موقف الحركة... لا تزال العلاقة بين الاثنين جيدة، وهناك أفق أن تزيد في هذه المرحلة»، مضيفاً: «الجمهور يرى تصريحات العمادي صادمة، لكنني أراها صادقة، وربما خانه التعبير ليس إلا».