مروان عبد العال *

يوم كان لفلسطين ملحق خاص في الصحف اللبنانية نهاية الستينيات في «المحرر»، تكتب حضورها وتحاول استعادة ذلك الحضور بالكلمة، كان ذلك الملحق يسهم في تمهيد الطريق لتألق الحقيقة الفلسطينية، ولتعويض زمن التزييف والتغييب والنسيان، كان شيئاً من التعويض على الورق.
بعدما حضرت القضية على الأرض، تلاشت الصفحات وضاع الحضور مجدداً. كان حلماً أن تستعاد من جديد بصورة المخيمات، تلك الركيزة الأم في القضية الفلسطينية. فأن تجسر «الأخبار» الطريق من الحلم إلى الحقيقة، لهو إنجاز يستحق التقدير. ليس الأمر بالنسبة لي مجرد كلمات، بل هو حاجة تلح لصناعة أبطال قلم يُحسن أداء مهمة تميط اللثام عن الوجه الأصلي للاجئ الفلسطيني في المخيمات، حين يصير للاقتلاع معنى وللانتظار معنى والقلق حكاية والاضطرار واقع دائم.
أن تروي حكاية المخيم المكلوم بسكين التمييز والظلم والجراح تحتاج لشجاعة نادرة وجرأة تقدم على اقتراف جرم الحقيقة مع سبق الإصرار والترصد. وخاصة في وقت يجري فيه مسعى لمسح المخيم من الذاكرة الوطنية وتحويل هويته وصورته في المشهد الإعلامي من حاضن لقضية وطن إلى لغم اجتماعي قابل للانفجار في أي لحظة وعود ثقاب، ينتظر من يشعله ليحرق بلداً.
صبيحة كل يوم اثنين، صرنا على موعد مع نافذة مفتوحة على حكاية وجع. صار للمخيم مكانه على الورق وليس مجرد خبر عابر في قضية جنائية. تحولت «مخيمات» إلى جريدة ابن المخيم في جريدة الأخبار، تفتح النوافذ بدل إغلاقها، تتسرب كالضوء إلى أزقتها المعتمة. هكذا صار المخيم، «القلعة المغلقة والبؤرة المفزعة» حكاية إنسان وقضية عادلة وهوية ومجتمع، له احتياجاته وذكرياته وأحلامه العادية والبسيطة.
بين ملحق «فلسطين» الذي حرره غسان كنفاني أواخر الستينيات، وصفحة «مخيمات» التي حلم بها جوزف سماحة، طريق الجلجلة وإكليل من الشوك مرت فيه قضيتنا وما زال الطريق، كي نصل بصخرتنا قمة الجبل، طويلاً. مرت سنة من عمر «مخيمات»، أكملوا الحلم ليتحقق واستمروا ولا تملوا. فليكن التحدي.
* روائي ورئيس اللجنة الفلسطينية العليا لإعادة إعمار مخيم نهر البارد