حين اندلاع الأزمة السورية، كان سعر صرف الليرة السورية 45 ل.س/ دولار. ارتفع هذا السعر خلال الأسبوع الثالث من حزيران 2013 إلى 225 ل.س/ دولار. أي إن ارتفاع سعر الدولار أو انهيار سعر صرف العملة السورية كان بنسبة 400%. سنحاول أن نقرأ الأسباب، مع الاستفادة في ذلك من التجربة اللبنانية الطويلة في ميدان انهيار سعر صرف العملة (1984-1992). ينتمي البلدان إلى فئة الاقتصادات شبه ــ الريعية العربية، التي تعتمد على التدفقات المالية ذات المنشأ الخارجي في تمويل الإنفاق الوطني. يؤدي ذلك إلى تشابه الظرف الاقتصادي فيهما.


1ــ التجربة السابقة

يمكن القول إن تدهوراً مشابهاً لسعر صرف الليرة السورية حصل في النصف الثاني من الثمانينيات، حين عرفت الليرة السورية خفضاً في سعرها من 3.95 ل.س/ د إلى 18 ل.س/ د خلال عام 1985، بسبب الظرف الإقليمي وندرة العملات الصعبة، وبسبب المضاربة في سوق القطع. اعتُمِدَت آنذاك إجراءات زجرية تمثّلت بالقانون رقم (24) لعام 1986، الذي نص على عقوبات شديدة للمضاربين. جرى تثبيت سعر الصرف الرسمي لليرة على 11.25 ل. س/ د بنهاية 1987. ثم جرى خفض سعر صرف الليرة السورية الرسمي إلى 42.5 ل.س/ د عام 1990 وبقي على هذا المستوى حتى 1996، حيث خُفض مجدداً إلى 46.5 ل.س/ د، وهو المستوى الذي كان عليه في بداية الأحداث، وفق بيانات المصرف المركزي السوري.
أما في لبنان، وبسبب نظام حرية القطع السائد، فقد كان انهيار سعر صرف الليرة بين 1982 و1992 بنحو 740 مرّة. انتقل من 3.81 ل.ل/ د آخر 1982 إلى 2825 ل.ل/ د في أيلول 1992. وقد ترافقت حقبة الانهيار في سعر صرف الليرة مع ارتفاع الأسعار بنسبة 140% كمتوسط سنوي بين 1985 و1992، وانهيار في مستوى الأجور. وصل الحد الأدنى للأجر إلى 19 دولاراً آخر عام 1987، وبقي دون مستوى المئة دولار على مدى الحقبة كلها (داغر، 2002: 105-106). وبعد أن كان سعر الصرف قد بلغ أعلى مستوى له في أيلول 1992، انخفض إلى 1838 ل.ل/ د آخر ذلك العام. ثم تم تثبيته ابتداءً من 1995 وحتى اليوم على نحو 1500 ل.ل/ د.

2ــ المقاربة النيو ــ كلاسيكية، أو زيادة الكتلة النقدية كسبب للتدهور

في المقاربة النقدية النيو ــ كلاسيكية، يعود تدهور سعر صرف العملة الوطنية إلى زيادة عجز الموازنة الذي يؤدي بدوره إلى زيادة الخلق النقدي، وإلى ارتفاع مماثل في المستوى العام للأسعار، ويؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية. أي تكون السلسلة: عجز الموازنة - خلق النقد - ارتفاع الاسعار - انخفاض سعر صرف العملة. تأخذ المقاربة النقدية، بـ«قانون السعر الواحد» (loi du prix unique) لتحديد سعر الصرف، حيث: مؤشر الأسعار المحلية (p) = سعر صرف العملة (s) × مؤشر الأسعار العالمية (pf). أي إن خفض أو تدهور سعر صرف العملة يجب أن يكون مساوياً لمعدّل التضخم المتحقّق. تبرّر ذلك بأن التفارق بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية الذي يسببه التضخم المحلي، يجب أن يتم تعويضه، أي تعويض تراجع التنافسية للسلع الوطنية المعدة للتبادل الدولي، من خلال خفض سعر صرف العملة الوطنية بنسبة مماثلة (فيدال، 1999: 164). يجعل هذا الخفض أسعار السلع الوطنية تتدنى بالعملات الخارجية ويستعيد لها قدرتها التنافسية.
يجد القارئ في ما يُنشر في الصحافة اليومية ما يعكس هذه القراءة البسيطة الفظيعة المأخوذة من التراث النيو ــ كلاسيكي المتمثّل بنظرية «تعادل القدرة الشرائية» (Parité des Pouvoirs d’Achat) التي صاغها فيكتور كاسّل (Cassel). رأى هذا الأخير أن كل تضخّم بنسبة معيّنة يجرّبه اقتصاد ما، يجب أن ينعكس تدهوراً في سعر صرف العملة بالنسبة ذاتها. وهي نظرية لم تصلح يوماً لتعيين سعر الصرف المعتمد فعلياً، في أي من اقتصادات العالم (كاكوليادس، 1990: 474 - 477). هل تفيد هذه المقاربة في قراءة الوضع السوري؟ طبعاً لا. لأن الاقتصاد المذكور لا يجعل من اكتساب التنافسية هدفاً يستدعي خفض سعر الصرف فيه.

3 ــ المقاربة غير النقدية لأسباب تدهور سعر صرف العملة: الحالة اللبنانية

جرى الانطلاق في قراءة التجربة اللبنانية من حالة الهروب من النقد اللبناني، أي تحويل الليرة إلى دولار، كسبب لارتفاع سعر الدولار أو انخفاض سعر صرف الليرة، ابتداءً من 1983. أما الطلب المفرط على الدولار، فكان نتيجة خيبة أمل أوساط الأعمال، وخصوصاً المصرفيين، بعد أن تورّطوا بإقراض كثيف للدولة خلال 1982 ــ 1983. لم تتمكن هذه الأخيرة من استعادة مداخيلها لسداد ديونها؛ لأن الميليشيات وضعت يدها مجدداً على المرافئ ابتداءً من 1984، وحرمت الدولة مداخيلها الجمركية. عبّر المصرفيون عن خيبة أملهم بعملية هروب كثيفة من الليرة إلى الدولار. هذا ما جعل السلسلة التي تفسر تدهور سعر صرف الليرة والتضخم المفرط آنذاك على النحو الآتي: شراء الدولار - تدهور سعر صرف الليرة - ارتفاع الاسعار - ارتفاع الكتلة النقدية. استمر الأمر على هذا النحو من 1984 إلى 1992، رغم استعادة ميزان المدفوعات فائضه السنوي المعهود ابتداءً من 1985(داغر، 2002: 107)، وذلك لأن المواجهة التي حصلت بين المصرف المركزي وبين أوساط الأعمال بشأن تحديد سعر صرف الليرة، حُسِمت لمصلحة هؤلاء في 1987، بحيث أصبحت «سبعة مصارف من بين العشرة الأولى» تحدد سعر صرف الليرة حتى 1992 (المصدر نفسه: 99).
على مدى حقبة الحرب، كان خفض سعر صرف الليرة يؤدي إلى خفض الأجر الفعلي للقوى العاملة اللبنانية. بقي ذلك الأجر تحت سقف المئة دولار على مدى حقبة 1985ــ 1992، كما سبقت الإشارة. أمّن خفض سعر صرف الليرة خفض الكلفة بالدولار لكتلة الأجور التي يدفعها أرباب العمل في بلد هو ميدان حرب لا يوفر شروط عمل عادية. هذا ما برّر القول بأن خفض سعر الصرف المستمر عكس «نزاعاً على تقاسم الدخل» (المصدر نفسه: 99 ــ 102). تصبح السلسلة المذكورة أعلاه على النحو الآتي: شراء الدولار - تدهور سعر صرف الليرة - ارتفاع الأسعار - انخفاض الأجر الفعلي. أعطى الباحث توفيق كسبار سبباً آخر أكثر مباشرة لخفض سعر صرف الليرة المستمر على مدى الحقبة، هو عمليات المضاربة التي كانت تقوم بها المصارف أو عملاؤها، بغية تحقيق أرباح بواسطة سعر الصرف (كسبار، 2005: 247-257). بنى قراءته تلك على تجربته في العمل المصرفي.

الحالة السورية

يواجه الاقتصاد السوري منذ اندلاع الأعمال العسكرية، ظروفاً صعبة يختصرها انخفاض الإنتاج المحلي الناجم عن الدمار اللاحق بمناطق شاسعة في المدن الكبرى، كحلب وحمص وحماه وفي الريف. أي إن ثمة نقصاً في العرض المحلي للسلع ينجم عنه ندرة وطلب زائد وارتفاع في أسعار هذه السلع. ثمة في الوقت عينه ندرة في عرض الدولار، ناجمة عن انخفاض قدرة الدولة على تحصيل مداخيلها بالعملات الصعبة. ثمة بالتالي طلب زائد على العملات الصعبة، أو الدولار، يضغط في اتجاه رفع سعرهما.
شهدت الحقبة الأولى من الأزمة، عمليات هروب من الليرة السورية، كان من شأنها التسبّب بانهيار سعر صرف الليرة. واجهت الدولة تلك العمليات بالإيعاز إلى الموالين لها في أوساط الأعمال، بمواجهة الطلب الكثيف على العملات الصعبة بعرض معاكس للدولار. وهي مقاربة أدت إلى صدّ عمليات المضاربة تلك («الأخبار»، 20/9/2011). أي استطاع المصرف المركزي أن يعوّل ليس فقط على احتياطيه بالعملات الصعبة لمواجهة المضاربة، بل على تعبئة في أوساط القطاع الخاص لصون سعر صرف العملة الوطنية.
لا شك أن الأمور باتت اليوم أكثر صعوبة، لجهة تراجع الإنتاج، وندرة العملات الصعبة، وتزايد حاجات الدولة لتمويل إنفاقها، واندلاع موجات جديدة من الطلب على الدولار، تعكس هروباً من الليرة السورية ورغبة بتحقيق أرباح في سوق القطع. تُظهر الوقائع التي تنقلها الصحف اليومية، أن الطلب الذي يفتعله المتعاملون في سوق القطع، ينجح في رفع سعر الدولار، ويستدرج رد فعل من المصرف المركزي الذي يدفع بجزء من احتياطيه بائعاً إياه، بما يؤدي إلى إعادة خفض سعر الدولار إلى حين. تكتسب حركة سعر الدولار أهمية قصوى كما في كل الأزمات من هذا النوع، ويتحدّد سعر صرف العملة في المواجهة بين المصرف المركزي وبين أوساط الأعمال في سوق القطع.
يعيد خفض سعر صرف العملة الوطنية توزيع الدخل الوطني لمصلحة خفض قيمة الأجر الفعلي، وقيمة كتلة الأجور التي تدفعها الدولة ويدفعها القطاع الخاص. من شأن كل رفع لسعر الدولار أن يخفض عن كاهل الاثنين معاً عبء كتلة الأجور المدفوعة. لكن ذلك يعني تحميل المواطن كلفة إضافية من خلال التسبّب بخفض قدرته الشرائية. تنقل الصحف موقف الرأي العام الذي لا يغفل العلاقة القائمة بين سعر صرف الليرة وبين القدرة الشرائية للمداخيل ومستوى الفقر. وهو يطالب بالتشدّد في الحفاظ على سعر صرف الليرة السورية واعتماد إجراءات زجرية تجاه المضاربين («الأخبار»، 21/6/2013). من جهة أخرى، لا ينبغي إغفال أن الدولة السورية هي دولة تدخّلية، تقع عليها مسؤولية التحكيم بين الأطراف المتقابلة لجهة مصالحها وحصتها في الدخل الوطني. وتقع عليها أيضاً مسؤولية تحصيل موارد إضافية تؤهلها لإخراج سوريا من أزمتها الراهنة.
وهي تستطيع في نهاية المطاف، أن تثبّت سعر صرف الليرة من خلال تحسين الاحتياطي بالعملات الصعبة في المصرف المركزي، وصد المضاربة على العملة الوطنية بهذه الطريقة. وتستطيع أيضاً اللجوء إلى قانون يجرّم المضاربة كما في 1986.

المراجع:
Chacholiades Miltiades, International Economics, Mcgraw-Hill, 1990.
Vedel Claude, Théorie Monétaire Internationale, Economica, Paris, 2ème édition, 1999.
ألبر داغر، «سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة»، نشرت في مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 42، تشرين الأول 2002، وأعيد نشرها في ألبر داغر، أية سياسة صناعية للبنان: مقاربة مختلفة لدور الدولة في الاقتصاد، «المركز اللبناني للدراسات»، 197 صفحة، ص. 75 – 125.
توفيق كسبار، اقتصاد لبنان السياسي: في حدود الليبرالية الاقتصادية، دار النهار، 2005، 362 صفحة.
* باحث لبناني