هل من عدوّ داخلي يهدّد وحدة الجزائر ويمهّد الطريق لتدخل العدو الخارجي فيها؟ نعم، إذا صدّقنا بروباغندا النظام وأصدقائه ومن انحازوا إليه بدافع الخوف من «ربيع عربي» على الطريقة السورية، يحوّل التحركات الشعبية السلمية إلى زحف أصولي ويعيد البلاد إلى كوابيس التسعينيات، كوابيس العنف والعنف المضاد.

من مطلع الثمانينيات إلى زمن ليس بالبعيد، كان سببُ قلق «المواطنين الشرفاء» على وحدة البلاد هو رسوخ المطالب اللغوية الأمازيغية في المنطقة القبائلية. تُرى، ما سببُ قلقهم اليوم؟ «ألا ترون ما يجري في الجنوب؟»، يسألون، مشيرين لا إلى التدخل العسكري الفرنسي على تخوم الجزائر الجنوبية (شمال مالي) فحسبُ بل أيضاً إلى... تظاهرات الشباب العاطل من العمل في بعض المدن الصحراوية. لماذا؟ لأنّ أقلية من هؤلاء البطالين تطالب بإعطاء «أهل البلد» الأفضلية في الحصول على مناصب الشغل في المنشآت البترولية في الولايات الجنوبية على أساس أنهم أولى من غيرهم بثروات منطقتهم (وهو، لمن يتذكر، نفسُ مطلب سكان عنابة، في أقصى الشمال الشرقي، المطالبين بأولوية التوظيف في مركب الحديد والصلب بالحجار).
وقد وصل التخويفُ من مخاطر تحركّات بطالي الجنوب على «وحدة الوطن» قمّتَه خلال الأيام التي سبقت تظاهرةٌ دعوا إليها في مدينة ورقلة يوم 14 مارس 2013، فتناقلت التحذيرَ منها جهات كثيرة (بعضها يساري)، الجامعُ بينها هو الاقتناعُ بأنّ «الوقت غير مناسب» لأيّ احتجاج في الأقاليم البترولية؛ لأنّ الأعداء متربّصون بالبلاد، يريدون خلق بؤرة توتر في صحرائها تُحوَّل لاحقاً إلى بؤرة انفصالية. أعجبُ من هذا، سمعنا البعضَ يذكّرنا بأنّ «البطالة معطى أساسي من معطيات الرأسمالية»، ملمّحاً إلى أنّ منظّمي هذه الاحتجاجات من «مأجوري المنظمات غير الحكومية الأجنبية» بدليل «مستوى معيشتهم والوسائل المتاحة لهم»، على حدّ زعمه (علي حكيمي، يومية Reporters، 12 مارس 2013). وعلى الشبكات الاجتماعية، ساق البعضُ الآخر برهاناً على سوء نياتهم لكون بعضِهم ينتمون إلى «حركة أبناء الجنوب»، وكأن كلمة «الجنوب» مستقاة، تعريفاً، من القاموس الانفصالي. تُرى، هل نُسي أنها الاسم الرسمي لناحية إدارية رسمية بدليل وجودِ «صندوق خاص لتنمية الجنوب» (أُنشئ بموجب قانون المالية) وإصدارِ الوزير الأول، عبد المالك سلال، في 11 مارس الماضي قراراً يقضي بإجبار «الشركات العاملة في الجنوب» على تفضيل اليد العاملة المحلية؟
وجاء اليوم الموعود، 14 مارس 2013، ولم تنطبق السماء على الأرض. لم نرَ أثراً للانفصاليين في تظاهرة «البطالين» في ورقلة. بالعكس، ما رأيناه لافتاتٌ تؤكد أن «الوحدة الوطنية خطّ أحمر»، وإنشادٌ جماعي للسلام الوطني وترديدٌ لأغانٍ ثورية لم يعد الحكام يذكرونها من فرط نفورهم من المبادئ المساواتية لثورة تحريرية لا يزالون يحكمون باسمها وباسم شهدائها.
وفي ذات اليوم، فيما كان آلاف «البطالين» يدفعون عن أنفسهم تهمة الائتمار بأوامر «المنظمات غير الحكومية الأجنبية»، كان النظام يثبت للجميع تشبّثه بالسيادة الوطنية وغيرتَه البالغة عليها. وتجلّى ذلك أبرع تجلٍّ في افتخاره برضى كريستين لاغارد عن «حسن تسيير موارد البلاد» في عزّ الأزمة المالية العالمية وترديدِ إعلامه نصائحَ صندوق النقد الدولي للنهوض بالاقتصاد الجزائري والقضاء على البطالة وهي، بطبيعة الحال، «تقليص النفقات العمومية» و«زيادة مرونة سوق العمل» أي، بعبارة أخرى، رفعُ ما بقي من قيود قانونية تضمن حقوق الأجراء.
من المثير حقّاً للاستغراب أن يصوِّر «الوطنيون الجدد» بطّالي الجنوب بصورة متآمرين عديمي الضمير، وأن ينسوا مسؤوليةَ الحكومة عن تفاقم البطالة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وسكوتَها عن تفضيل «شركات المناولة» الاستعبادية تشغيلَ شباب الشمال في المنشآت البترولية (لأنّ استغلالهم «أسهل» بوصفهم يعملون بعيداً عن مسقط رأسهم). وليس أقلّ إثارة للاستغراب هذا الجهلُ بديموغرافيا الولايات الصحراوية وكأن فيها «سكاناً أصليين» وآخرين «وافدين»، في حين أنّ كثيراً من أهلها ترجع أصولُهم إلى ولايات الشمال وُلد أبناؤُهم «جنوبيين» يعانون نفس مصاعب أبناء الصحراء «الأقحاح».
إذا كان من تهديد للوحدة الوطنية فليس مصدرُه بطالي الجنوب بل من يزجّ بهم في السجون بتهمة «التظاهر غير المرخص به» ويسكتُ عن قمعهم باسم «الظرف الإقليمي الحرج». وإذا كان من مهدّد للسيادة الوطنية فليسوا منظمي تظاهرة ورقلة ولا المطالبين بحسن استخدام الميزانيات الضخمة المخصصة للأقاليم الصحراوية، بل أولئك الذين يصورونهم خونة مرتزقة ويحضِّرون بقمعهم ميلادَ جيل جديد من الإرهابيين.
* كاتب جزائري